وَالْفَضْلُ قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ وَعَائِلًا فَأَغْنَيْنَاكَ أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنْ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِحَالِكُمْ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتْ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ قَالَ فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ وَقَالُوا رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقْنَا [1] .
لاحظ كيف واجه الرسول صلى الله عليه وسلم اعتراض الأنصار وحاورهم ولم يرضَ بسكوتهم أول مرة فالنفوس تهاب الزعيم، ولهذا يقولون بأدب: لله ورسوله المن والفضل، وكان بإمكان الرسول أن يستند إلى سكوتهم المشوب بالخجل ليبرر تصرفه بالغنائم، لكنه صلى الله عليه وسلم يحاورهم ويقر لهم بالفضل ليكون سكوتهم عن رضى وارتياح وتكون العلاقة بين القيادة والرعية مستندة إلى الرضى لا إلى الخوف أو الخجل.
انتصاره، صلى الله عليه وسلم، على إغراء الفرادة والقداسة
عن المغيرةَ بنَ شعبةَ يقول: «انكسفَتِ الشمسُ يومَ ماتَ إبراهيمُ، فقال الناسُ انكسفَتْ لموتِ إبراهيمَ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ الشمسَ والقمرَ آيَتانِ من آياتِ الله، لا ينكسِفانِ لموتِ أحدِ ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى يَنجليَ» [2] .
في هذا الوقت من الكرب إذ النفس مشغولة بوفاة فلذة الكبد، يسمع رسول الله كلمة من بعض الناس تنسب الكسوف لموت إبراهيم فيبادر إلى تصحيح المفاهيم حتى لا يبني مجد على تزييف العقول و لو كان طالب علو في الأرض لاستثمر الظرف أو على الأقل لسكت على ما قاله الناس، لكنه صلى الله عليه وسلم تحرر من حظوظ النفس، والحرص على بناء مجد لذاته، فكان مجده بالله، وعزه بالله، عزًا لا يفنى ومجدا لا يبلى.
ولما دخل مكة فاتحًا بجيش عرمرم وصف أهل السيرة دخوله عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه عمامة سوداء وقال ابن إسحاق عن عائشة كان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح أبيض ورايته سوداء تسمى العقاب، وهو يردد سورة الفتح وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى
(1) - (السيرة النبوية ج5/ص177) ، وأصله في صحيح البخاري، كتاب المغازي، ج: 8: 376 حديث (4230) .
(2) - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الكسوف، ج: 3: 294 حديث (1044) .