عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ إِنَّ حَوْضِي أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ الثَّلْجِ وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ وَلَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ وَإِنِّي لَأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ قَالَ نَعَمْ لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنْ الْأُمَمِ تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ [1] ثم ترى المؤمنين ونورهم في أيمانهم لما تناولوا كتبهم بأيمانهم قال تعالى"فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ) (الحاقة:19) و قال:"فمن أوتي كتابه بيمينه ثم تبشرهم الملائكة"بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (الحديد:12) ،"
عندها ينظر المنافقون والكفار إلى المؤمنين {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} (الحديد:13) .
عن ابن عباس [2] : بينما الناس في ظلمة يوم القيامة إذ بعث الله نورًا, فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه, وكان النور دليلًا من الله إلى الجنة, فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا اتبعوهم فأظلمَ اللهُ على المنافقين فقالوا حينئذ"انظرونا نقتبس من نوركم"فإنا كنا معكم في الدنيا قال المؤمنون"ارجعوا وراءكم"من حيث جئتم من الظلمة فالتمسوا هنالك النور، وترى المنافقين {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} (الحديد:14) فيجيبهم المؤمنون: لقد كُنتم معنا، وربما ذهبتم معنا إلى المسجد، ولكنكم كنتم معنا بأبدانٍ لا نيةَ لها ولا قلوب معها, وإنما كنتم في حيرة وشك فكنتم تراؤون الناس ولا تذكرون الله إلا قليلًا, أجسادا بلا قلوب. نعم كنتم معنا، وصُمْتُم معنا، ولكنكم لم تحفظوا صيامكم، بل فتنتم أنفسكم باللذاتِ والمعاصي والشهواتِ وتربصتم، فأخرتم التوبةَ من وقت إلى وقت.
"وغرتكم الأماني"الدنيا جميلة والربيع بديع والصيف يدعو للمتع وغدا خريف العمر قادم وفي الوقت متسع للتوبة، قلتم سيُغُفَرُ لنا وغرتكم الدنيا"حتى جاء أمر الله"فجاءكم الموت بغتة ولم تعزموا التوبة"وغركم بالله الغرور"خدعكم إبليس فدخل القومُ الجنة، وبقيَ أهلُ النار ينادون: أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ، كانوا على خدعة من الشيطان، ومازالوا عليها حتى قذفهم الله في النار
(1) :صحيح مسلم: كتاب الطهارة: برقم 247
(2) : أنظر تفسير ابن كثير: ج: 4: 349.