وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ قَالَ الْأَعْمَشُ وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ خَيْثَمَةَ مِثْلَهُ وَزَادَ فِيهِ وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ. رواه البخاري [1]
يا أهل الجمعة: إن ضعف القيم الإيمانية هو الذي يؤدي للإجرام وترويع الآمنين.
فأكلُ أموالِ الأيتامِ، والعبثُ بأطعمةِ الناس، وتسويقُ الأغذيةِ الفاسدة، والأدويةِ المتجاوزة لفترة الصلاحية، مما ينتشر في عالم الاقتصاد اليوم، في ظل انتشار قيم عالم السوق والربح السريع، مردُّ كل ذلك ضعفُ الإيمان، وغيابُ التقوى. ومن هنا نؤكد أن حفظ الإيمان هو صِمامُ أمانِ المجتمع، وقد نبه إلى ذلك قوله تعالى {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} (لأعراف: من الآية96) وقوله سبحانه:" {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} (الكهف:59) "
إن نيل بركات السماء والأرض لا تكون على أساس إيمان غيبي لا صلة له بالواقع وهو ما يعرف بالمفهوم الميتافيزيقي بل تقوم على أسس علمية مرتبطة بالإصلاحِ الإداري والقضائي، وتحقيقِ مبدأ المساءلة والرقابةِ وتجاوزِ المحسوبيات وهي أسس الإصلاح الإداري كما بينتُ
ومن هنا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤكدا شمول مبدأ الرقابة حين تشفع أسامة بن زيد في امرأة من أشراف العرب كانت قد سَرقت: فقال"أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَالَ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ [2] "
ويقول عليه الصلاة والسلام:"إنه لا قدست أمه لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير مُتَعْتَعٍ"، ومناسبة الحديث: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَقَاضَاهُ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ لَهُ أُحَرِّجُ عَلَيْكَ إِلَّا قَضَيْتَنِي فَانْتَهَرَهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا وَيْحَكَ تَدْرِي مَنْ تُكَلِّمُ قَالَ إِنِّي أَطْلُبُ حَقِّي فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلَّا مَعَ صَاحِبِ الْحَقِّ كُنْتُمْ ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَقَالَ لَهَا إِنْ كَانَ عِنْدَكِ تَمْرٌ فَأَقْرِضِينَا حَتَّى يَأْتِيَنَا تَمْرُنَا فَنَقْضِيَكِ فَقَالَتْ نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَأَقْرَضَتْهُ فَقَضَى الْأَعْرَابِيَّ وَأَطْعَمَهُ فَقَالَ أَوْفَيْتَ أَوْفَى اللَّهُ لَكَ فَقَالَ أُولَئِكَ خِيَارُ النَّاسِ إِنَّهُ لَا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لَا يَأْخُذُ الضَّعِيفُ فِيهَا حَقَّهُ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ [3] .ومعنى متعتع كما في لسان العرب: أي يخاف سوء العاقبة.
(1) صحيح البخاري: كتاب التوحيد، باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة برقم 7512
(2) : رواه الترمذي: كتاب الحدود: باب ما جاء في كراهية أن يشفع في الحدود، برقم (1430) وأخرجه مسلم برقم (1688) .
(3) أخرجه ابن ماجه كتاب الأحكام: باب لصاحب الحق سلطان، برقم (2426) ورواه الحاكم في المستدرك وأبو يعلى