الصفحة 97 من 123

منك، أكثرُ مما بقلبك مني، فإن يكُ لكَ حاجةٌ فقد أمكنك مما تريد، وهذا أمير المؤمنين غافل، وإلا لم أرجعْ إليك أبدا. فرفع طرْفَه إلى السماء، وقال:"يا جليل أين سترك الجميل"، ثم قال لها: اذهبي ولا ترجعي، فعسى أن يكون الملتقى بين يدي من لا يخيب الظن، فرجعت إلى سليمان فأخبرته فأعجب الخليفة من عفة المؤذن، وأراد أن يكافئه فأرسل في طلبه، فلما وصل قال له الحاجب إن الخليفة يريد أن يهديك الجارية ومعها مبلغ من المال تستعين به، فدخل على الخليفة، واعتذر عن قبول الجارية وقال للخليفة: إني ذبحت طمعي فيها منذ أن رأيتها، وادخرتها عند ربي، ولا أحب أن استرد ما ادخرته عنده. [1] ""

تأمل أخي المستمع في قوله:"إني ذبحت طمعي"، فلو أنه طمع قتل ولو اتبع هواه لهلك ولكنه عف فنجى، ولو لم يذبح طمعَه لذبحه طمعه. أخب المستمع وإذا كانت العفة سببا لنجاة صاحبنا فإنها سبب للفوز بالجنان عن الرحيم الرحمن أخرج الترمذي في سننه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عُرِضَ عَلَيَّ أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ شَهِيدٌ وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ وَعَبْدٌ أَحْسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ وَنَصَحَ لِمَوَالِيهِ [2] "قَالَ أَبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ"

وفي الحديث"مَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّه، ُ وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ شَيْئًا هُوَ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْر [3] "

وهناك قصة خلدها القرآن من قصص العفة التي قادت للحكم جزاء للأمانة، فلما تعرضت امرأة العزيز ليوسف {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} (يوسف:23) ،ولما واجه نساء المدينة {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} (يوسف:33) ثم لما أظهر الله براءته وجيء به للملك، (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ) (54) (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (55: يوسف) فكان التمكين ليوسف جزاء الأمانة (إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ) فالأمينُ على فرجه جديرٌ بالتمكين له.

والسلام عليكم ورحمة الله.

(1) ثلاث وتسعون قصة من روائع قصص العرب: ص21

(2) :سنن الترمذي: كتاب فضائل الجهاد، باب: ما جاء في ثواب الشهداء، برقم: (1624)

(3) : صحيح البخاري: كتاب: الزكاة، باب الاستعفاف: برقم 1469 وهو في الترمذي بلفظ قريب برقم (2024)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت