الصفحة 99 من 123

وثالثهما: قطع العلائق عما سوى الله تعالى، بحيث توقن أنه لا ينفعُ ولا يضرُ إلا الله

في التاريخ العربي الحديث شاهدنا كيف بنيت قصورٌ لأصحابها ثم صارت ملاعب لخصومهم، وما أبلغ قول الشاعر وقد مرَّ على قصر كان يومًا عامرا بأهله ثم رآه عامرًا بخصومهم

(سَأَرحَمُ بَعدَ قَصرِكَ كُلَّ قَصرٍ ... وَأَحسُدُ بَعدَكَ الطَلَلَ المَحيلا) فلا ينخدع المرء بحاه ذي جاه، ولا بمال ذي مال، فكل شيئ هالك ٌ إلا وجهَه الكريم

ولله در الخيام إذ يقول:

إِنَّ ذَاكَ الْقَصْرَ الَّذِي زَاحَمَ الْ ... أُفُقَ وَخَرَّتْ لَهُ الْمُلُوكُ سُجُودَا

هَتَفَ الْوِرْقُ فِي ذُرَاهُ يُنَادِي ... أَيْنَ مَنْ صَيَّرُوا الْمُلُوكَ عَبِيدَا

وما أصدق قول ابن عطاء الله السكندري لما سمع حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه مسلم في صحيحه: كان الله ولم يكن شيء، قال ابن عطاء"ولا زال الأمر على ما كان"فكل ما سوى الله باطل وزائل ولا بقاء لشيء إلا بأمره سبحانه، ومع هذا يجب أن تأخذ بالأسباب فهذا من كمال التوكل، وكمالِ العبادة لأن الله أمرك بأن تأخذ بالأسباب.

لو وكل أحدنا محاميًا فهِمًا خبيرًا فإنه يفوضه إليه أموره، يضع بين يديه الوثائق، ويكون راجيًا أن يحقق له مراده، فإذا وكلت ربَّ العالمين فكن أكثر ثقةً، لأنك فوضت أمرك لمالك الملك. وقد جمع هذه المعانيَ الشاعر بقوله:

"إذا ابتليت فثِق بالله وارض به إن الذي يكشف البلوى هو الله"

"والله ما لك غير الله من أحد فحسبك الله في كل لك الله"

والتوكلُ مظهرٌ من مظاهر التوحيد الحقِ بإيمانك أن المتصرفَ في الكون وقيومَ السماوات والأرض هو الله وأنه لا نافع، ولا ضار إلا الله وهو ما يسمى بتوحيد المعرفة وتوحيد الربوبية فمن تحقق فيه معرفة الله حقا فوض الأمر إليه، وقال: اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك. ومن قصص الأنبياء في التوكل:

قصة إبراهيم عليه السلام: هذا النبي القائد وقف يواجه قومه وكان في مقتبل العمر، وهذا ما تدل عليه كلمة الفتوة ففي المعجم الفتى: الشاب أول شبابه، بين طوارئ المراهقة والرجولة وفيها معنى القوة والخلق والشجاعة.

هذا الفتى واجه قومه، ولم يستطيعوا محاورة الحجة بالحجة فلجأوا للتهديد بالتحريق بالنار، كعادة الظالمين في مواجهتهم لمن قرر أن يحرر عقله، ويرفضَ سرقة العقل على يد الأوثان والكهنة.

وقف إبراهيم، عليه السلام، يواجه قومَه فقرروا أن يلقوه في النار في سورة الصافات {قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ 97} فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ {98} وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت