يمكّن المسلمين من معرفة العدو، والقواعد العلمية التي تساعد على استشفاف الدلالات الخفية لمواقفه، لكي لا نبقى ضحيةَ الإيحاءاتِ التي تحملها المواقف التكتيكية والتي غالبا ما تتحول تبعا للمصالح المتحركة.
ولكن - وللأسف - قليل هم الذين يهتمون بالتاريخ من المسلمين المعاصرين، وحتى من يفعل فإنه يعرف عن تاريخ العالم الغربي أكثر مما يعرف عن تاريخ أمته الإسلامية، مما أتاح للغرب فرصة تزييف التاريخ الإسلامي، حيث اجتهد في قلب الحقائق والتحكم في تفسير الأحداث، مستغلا في ذلك ضعف الذاكرة عند المتأخرين من المسلمين.
لقد كانت الانتصارات التي حققتها الفتوحات الإسلامية - خاصة في بلاد الشام وشمال إفريقية - سببا أساسيا في تغلغل الحقد الدفين لدى الدول النصرانية اتجاه المسلمين، إذ رأى هؤلاء في هذه الفتوحات تقليصا لنفوذهم السياسي الذي كان يستعبد الشعوب، وتضررا لمصالحهم الاقتصادية التي كانوا يجنونها من الدول المستعمَرة، فناصبوا المسلمين العداء والحرب من أجل ذلك. وزاد من هذا العداء دخول الكنيسة على الخط، لأن مصالحها كانت مرتبطة بمصالح الأمراء الإقطاعيين، ولأن الدعوة الإسلامية ساعدت على تحرير العقل الأوروبي من الخرافات الكهنوتية، مما أدى إلى تراجع حاد في سلطان الكنيسة على الإنسان المسيحي، فردت هي بشن حملة فكرية سعت من خلالها إلى تشويه صورة الإسلام، ورسخت ذلك ببث الأفكار العدائية وجعْلها من صلب العقائد المسيحية، الأمر الذي ضاعف من مستوى كراهية النصارى للمسلمين، وجعل منهم مادة أولية للحروب الصليبية التي شُنت على العالم الإسلامي.
فبعد الهزائم المتكررة أمام حركة الفتح الإسلامي تنادت الدول النصرانية إلى التكتل لتوجيه ضربة قوية واستباقية إلى العالم الإسلامي، مستغلة في ذلك خصوصيةَ المرحلة التي كانت تمر بها الأمة (التمزق الداخلي) ، ودخولَ عناصر همجية محاربة (القبائل الجرمانية والمجرية) في النصرانية، فتشكل من ذلك التكتل حلفا نصرانيا تدعمه كل الكنائس الغربية، وتوجهوا لغزو العالم الإسلامي.
ففي سنة 489 هـ (1095 م) جمع البابا"أوربان الثاني"في فرنسا جمعا غفيرا من رجال الدين، ودعا إلى الحرب الصليبية على العالم الإسلامي، وطلب من النصارى أن يحتلوا بيت المقدس. وقد تولى بطرس الناسك التنفيذ السريع لهذا الطلب، حيث سار بجموع المتطوعين - الذين كان أغلبهم يعاني من عقدة الحرمان والجوع - إلى أن وصلوا إلى بلاد المسلمين، وعندها صبّوا جام غضبهم عليها فأهلكوا الزرع والضرع، وأحرقوا الأخضر واليابس، وقتلوا ومثّلوا وانتهكوا الحرمات، إلى أن تدخلت دولة السلاجقة (الإسلامية) وصدت هذا الهجوم الهمجي، فأفشلت هذه الحملةَ ومنعتها من تحقيق أهدافها.
لكن تلتها حملة أخرى بعد أعوام، وقد كانت أكثر تنظيما من الأولى، مما مكنهم من تحقيق أهدافهم، حيث دخلوا أنطاكية سنة 491 هـ، ثم اتجهوا بعدها نحو القدس ودخلوها سنة 492 هـ (1099 م) ، ثم حيفا سنة 494 هـ، وعكا سنة 497 هـ، وطرابلس وجبلة سنة 503 هـ، ثم أخذوا صيدا سنة 504. وقد كان لدولة العبيديين (الدولة المرتدة) الأثر الكبير في التمهيد لهذه الحملة، لأنهم هم الذين استعانوا بالصليبيين على دولة السلاجقة، وتحالفوا معهم على الإطاحة بها على أساس أن يتقاسموا حكم الشام بعدها.