فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 121

وفي أمريكا نفسها [1] ، إضافة إلى أن بلدانه الأصلية تعيش انفجارا سكانيا كبيرا وصحوة إسلامية معتبرة، مما جعل صناع القرار في دول الغرب والكيان الصهيوني يرون في هذا الأمر خطرا أكيدا. ونجد صدى هذه الهواجس في كتاب"موت الغرب"لبوكانان الذي استشرف سيادة الإسلام على العالم بحلول 2050 استنادا - فقط - على المعطيات الديموغرافية دون غيرها.

قد يعترض البعض على هذا الكلام بإبراز طبيعة الغرب غير المتدينة. لكن هذا الاعتراض يتهافت حين يتم الاطلاع على أحوال الغزاة الصليبيين في الحملات الأولى: ألم يكن رواد الحملة الصليبية الأولى من جحافل الرعاع وقطاع الطرق واللصوص، الذين ارتكبوا في سيرهم نحو المشرق كل الموبقات من سلب ونهب وقتل واعتداء على الأعراض، بل واغتصاب بعض الراهبات، إلى حد عرفت به هذه الحملة في التاريخ بحملة الرعاع؟ ألم تكن الحرب الصليبية الرابعة التي تمت الدعوة لها سنة 594 هـ/1199 م سوى أداة لأطماع سياسية للبابا وأطماع اقتصادية لإمارة البندقية؟ ألم تستهدف تلك الحملة إلا المسيحيين من هنغاريا والقسطنطينية لأسباب غير دينية في الأساس؟ هذه الأمثلة وغيرها تبين أن الحملات الصليبية كان يقوم بها في الغالب أناس غير متدينين وهو نفس الحال تماما اليوم.

بل إن سيطرة اليمين الديني على مقاليد الحكم في أمريكا تبين أن الحملة الصليبية الحالية مرشحة لكي تضاهي أكثر الحملات تطرفا. فبوش الأبله وضع محاربة الإسلام ومكافحة السُنَّة النبوية على سلم أولوياته، وجعل القضاء على الدعوة الإسلامية والعمل الخيري والتعليم الشرعي أسمى أمنياته، وهو بهذا يتفوق في السفاهة على سلفه الغابر، الذين لم يطمعوا أكثر من السيطرة على بيت المقدس وطرق التجارة المربحة.

لقد غيرت الفتوحات الإسلامية الأولى كل المعطيات الاستراتيجية للغرب، فقد فتح المسلمون الأراضي الممتدة بين شمال الهند إلى جنوب فرنسا، مما أقام طوقا خانقا على أوروبا المسيحية طيلة قرنين من الزمان. خلال هذه المدة جنحت فيها موازين القوى لصالح المسلمين بشكل غير مسبوق، خاصة وأنهم تمتعوا بتفوق اقتصادي هائل وازدهار كبير على المستوى الثقافي.

لكن بعد عام 750 م بدأت مظاهر الضعف والتفكك والانقسام السياسي تظهر جلية على الخلافة العباسية، فمالت كفة التوازن لصالح الأوروبيين الذين ظهرت قوتهم في البحر المتوسط وفي إسبانيا. حينها حقق الأوروبيون سلسلة من النجاحات والانتصارات البحرية في طليطلة وصقلية، بينما شن البيزنطيون عدة غارات ناجحة على شمال سوريا في أواخر القرن العاشر، وسيطروا على بعض المدن لفترة وجيزة.

(1) - كما صرحت بذلك هيلاري كلينتون زوجة الرئيس الأمريكي السابق (انظر Los Angeles Times, May 31 1996 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت