لقد حققت الحملة الصليبية/الاستعمار أهدافها كاملة، فقد قضت على الرابط الذي يوحد بين المسلمين وهو رابط الخلافة الإسلامية، وشتتت البلدان المسلمة شر مذر، ونَحَّت الشريعة الإسلامية من ميادين الحياة، وساهمت في تنشئة أجيال جديدة لا علاقة لها بالقرآن رسما أو حكما ..
بعد هذا كله حسب الأعداء أن أمر الإسلام انتهى وولى دون رجعة .. لكن هيهات .. فما أن مر بعض الوقت حتى سعى العلماء والمصلحون لإعادة الأمة إلى مسارها بصبر وتضحيات لا مثيل لها. ورغم الطغيان الذي اقترفه عملاء الصليب ضد هؤلاء الأخيار، إلا أن الله سبحانه وتعالى بارك في جهودهم، فعادت الروح إلى هذه الأمة، وأصبح الرجوع إلى الله سمة بارزة، وصار الاحتكام إلى الشريعة الغراء مطلبا شعبيا مجمعا عليه. وكان آخر الفصول المقلقة للصليبيين بروز حركات الجهاد، وهو الأمر الذي دل دون مواربة أن الأمة في طريقها لاستعادة عافيتها كاملة، وأن النظام الذي دأب الصليب على إقامته لقرون عديدة، مهدد بالسقوط كقصر من الورق في سنين معدودة ..
هنا جاءت صرخة بوش الأبله: إنها الحرب الصليبية من جديد .. وأمريكا هذه المرة هي التي ستقوم بالدور المنوط بعد فشل المناورات الخداعية الأوروبية .. إنه تبادل للأدوار وانتقال للقيادة حدث مرارا وتكرارا في الحملات الصليبية الأخرى .. ولا جديد إطلاقا في الأمر.
والمذهل أن أحدنا لو أخذ كتابا موجزا وجامعا حول تاريخ الحملات الصليبية لما رأى فرقا في الجملة بين ما حصل في السابق وما يحصل اليوم. وما دامت الدراسات الاستراتيجية تتعلق أساسا بالعلاقة بين الزمان والمكان، فلا بأس أن يتطرق هذا المقال إلى ما حدث في الماضي ومقارنته بما يجري في الحاضر ثم استخلاص خطوط عريضة للعمل.
إذا كانت الذريعة لانطلاق الحملة الصليبية الأولى (1095 م) هي التشدد الذي مارسه الحكام السلاجقة على المسيحيين الزائرين لبيت المقدس، فإن السبب الحقيقي كان هو إحساس الكنيسة بخطورة الموقف نتيجة انتشار الثقافة الإسلامية بعد اتساع نطاق الفتوحات ..
قد يقول قائل: أين نحن وأين الفتوحات اليوم!!! وما وجه التشابه بين الأمس واليوم؟
الحقيقة أن اليوم ورغم الضعف الشديد الذي يعانيه المسلمون على كافة الأصعدة، إلا أن عظم هذا الدين وقوة الحق التي يحملها تجعله يشع، مما يدفع بالملايين للإقبال عليه. إن الدين الإسلامي اليوم هو أسرع الأديان انتشارا في العالم [1] بل
(1) - إن عدد المسلمين يزداد حسب احصائيات الأمم المتحدة (1994 - 1995) ب6.4 % سنويا (عدد المسيحيين لا يزداد سوى بـ 1.46% سنويا رغم الجهود التنصيرية الجبارة) .