المسلمين، حتى لقد ظهر بجلاء أن النية المبيتة عند العدو هي الإجهاز على كل عرق نابض بالحياة في هذه الأمة، لتصبح كالدجاج والنعاج، يُعتدى عليها فلا ترد، وتُغتصب أرضها فلا تدافع، وينتهك عرضها فلا تغضب، وتداس مقدساتها فلا تثور، ويُنصّب عليها العملاء فلا تتحرك، وإلاّ فهي أمة إرهابية .. وللغرب النصراني الحق في مكافحة الإرهاب!!
بل لقد امتدت هذه المكافحة للإرهاب إلى كل ما هو إسلامي، بدءً بمدارس العلوم الشرعية ومرورا بالجمعيات الخيرية، ولم تنته بعدُ بالعمل على تغيير المناهج التعليمية والتوطيد للنظم السياسية والاجتماعية الجاهلية، لأنها - كما يقول بوش - حرب صليبية شاملة، تستهدف القضاء على الهوية الإسلامية للأمة، لتصبح مسخا مشوها مفتقدا لكل مقوماته الحضارية، من تم يسهل على الغرب النصراني ابتلاعه، أو على الأقل دمجه في حظيرة الأمم التابعة.
وها هي أمريكا - بعد أن فشلت في تحقيق أهدافها الأساسية في أفغانستان - تتوجه إلى العراق، وتحشد لضرب أبناء الأمة الإسلامية هناك ما يُظهر مستوى الحقد ونوعية المقاصد المبيتة، وأنها أولًا التمكين للكيان الصهيوني في المنطقة، والوصول إلى خيرات البلاد العربية، في خطوة يظهر عليها بوضوح أنها تجمع بين المصالح السياسية والخلفية الدينية للحرب، تماما كما هي الحقيقة الثابتة للحروب الصليبية.
لقد استبعد البعض أن تكون الحرب التي تشنها أمريكا وحلفاؤها على الأمة الإسلامية حربا صليبية، لأن هذا التوصيف يوحي بالحمولة الدينية للحرب، وفكرة الحرب الدينية عند هؤلاء فكرة رجعية لا تليق إلاّ بقاموس"القرون الوسطى"، في حين أن الدول الغربية دول متحضرة، يجب أن تُنزه عن التلبس بالأفكار المتخلفة. وإذا كان"بوش"قد قال إنها حرب صليبية، فإن عقلانية الرؤية تفرض علينا أن نعتبرها مجرد فلتة لسان قابلة للتأويل!!
هكذا يقول أصحاب الورع"المتأمرك"، وهي محاولة لخلط الأوراق الفكرية على المسلمين، تهدف إلى خلق حالة من الارتباك في التعامل مع الموقف، بحيث تؤدي إلى تجميد العدد الأكبر من الطاقات الإسلامية، ومن تم يتسنى لأمريكا الوصول إلى أهدافها بأقل الخسائر الممكنة. ولذلك أريد أن أركز - قبل الدخول في التفاصيل - على مسألة معينة، وهي أنه سواء كانت هذه الحرب حربا دينية صليبية أم لا فإن الواجب الشرعي يفرض على المسلمين أن يجاهدوا الاعتداء وأن يردوا على عدوان الكافرين حتى ولو كانوا من عالم الجن والشياطين، قال تعالى: {فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين} [البقرة: 191] .
ولكن لا بأس بتوضيح المشهد الراهن ليكون المسلمون أكثر وعيا بالواقع القائم، لعل ذلك يساعد على تحريك العناصر الصادقة في هذه الأمة، ويدفع بها إلى أخذ موقعها في الصراع قبل فوات الأوان.