فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 121

أبو عبيد القرشي

ـــــــــــــــــــــــــــــ

قبل أكثر من سنة أعلن بوش الأبله الحرب الصليبية ..

نزل هذا الإعلان كالصاعقة على من اغتر بالغرب من بني جلدتنا. فإلى عهد قريب كان هؤلاء يتشدقون بألفاظ ظنوا سذاجة أن العدو صادق حين روجها في صفوفهم .."حقوق الإنسان .. ديمقراطية .. ثقافة الحوار .."كلمات رنانة طنانة .. كلمات ابتدعها أبناء الحضارة الغربية لتطبيقها بين بعضهم البعض .. لا في إطار آخر .. خاصة إن كان في دائرة الإسلام.

حين سقط القناع وظهر الخداع .. خرجت ألفاظ أخرى للاستهلاك .. ألفاظ محلها الماضي السحيق .."حرب صليبية .. رسول إرهابي .. تجفيف منابع الإسلام .. التكيف أو الاندثار .."، ألفاظ ظن السذج أن"عصر الأنوار"قد دفنها إلى الأبد .. فإذا بها تبعث من جديد .. بُعِثَت قولا .. وإلا فالعمل بمقتضاها لم يتوقف قط .. واستهداف الإسلام والمسلمين جاري منذ القدم.

كانت الصدمة مهولة .. كيف كان هؤلاء مخطئين في الغرب لهذه الدرجة .. كيف استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير .. كيف استهزأوا بأهل القبلة ممن كان يحذر من حقيقة الغرب .. ألم ينعتوهم بالسذاجة والضحالة السياسية .. ألم يتهموهم بالسطحية والفكر المؤامراتي .. ألم يصفوا تحليلهم بفقه السجون .. فمن المحق اليوم ومن المخطئ؟

إن الحملات الصليبية لم تنقطع منذ مئات السنين كما قد يتبادر للأذهان، ولم تنطلق لتوها من جديد مع إعلان بوش الأبله كما قد يظن البعض. الحملة الجديدة استمرار للهجوم الأوروبي الشامل على أراضي المسلمين الذي يسمى زورا وبهتانا"الاستعمار"، وهو الاسم الذي استعمل بذكاء من طرف الغزاة الصليبيين لاستغفال المسلمين، متنصلين بذلك من أي شَبَه بالحملات الصليبية السيئة الذكر، ومبررين استخدام اسم"الاستعمار"بأن هجومهم استهدف شعوبا أخرى من غير المسلمين في إفريقيا وآسيا. مع العلم أن الحملات الصليبية الأولى كذلك استهدفت شعوبا أخرى نصرانية (البيزنطيين والأرمن ونصارى العرب) ووثنية، لكن هدفها الأساسي كان هو تدمير بلاد الإسلام.

لقد كان"الاستعمار"حملة صليبية شرسة قامت بها القوات الروسية والفرنسية والانجليزية والاسبانية والبرتغالية والايطالية والهولندية ضد بلاد المسلمين من كل حدب وصوب، لدرجة أنه لم ينج بلد إسلامي من الغزو إلا استثناءات قليلة. ولا أدل على صليبية"الاستعمار"من صراحة الجنرال غورو حين وصل إلى قبر صلاح الدين سنة 1918 - أيام الاحتلال الفرنسي لسوريا - وقال قولته المشهورة:"ها نحن عدنا يا صلاح الدين. والآن انتهت الحرب الصليبية."

ولولا تخفيف الله على المسلمين بأن اشتعلت الحرب العالمية الأولى والثانية بين هذه القوى حول الغنائم، ثم استعار المقاومة في بعض الأقطار المسلمة، لكانت البلاد الإسلامية إلى اليوم ترزح تحت حكم الصليب بشكل مباشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت