فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 121

ثم جاءت حملة ثالثة أرادت أن توطد أركان الاستعمار وأن تتوسع أكثر في العالم الإسلامي، لكن تصدت لها جماعات الجهاد ودولة آل زنكي المجاهدة، وكانت الحرب سجالا بين الطرفين، إلى أن انتهت في عهد صلاح الدين الأيوبي بالانتصار في معركة حطين سنة 583 هـ، وهو الانتصار الذي لم يتحقق إلاّ بعد القضاء على دولة العبيديين (الدولة المرتدة) في مصر، لأنها كانت بمثابة العدو الذي ينخر في الجسم الإسلامي من الداخل، ويقدم الخدمات الكبيرة للعدو الخارجي!!

لكن الدول الصليبية كانت قد ذاقت لذة الغزو، فعادت إلى الحملات مرات أخرى، واستهدفت مناطق متعددة في العالم الإسلامي، وفي كل مرة كانت تلقى مقاومة شرسة - إما رسمية أو من طرف الجماعات المجاهدة - تتكبد فيها خسائر كبيرة، حتى لقد أُسِر في بعض الحملات لويس التاسع عشر ملك فرنسا على يد الظاهر بيبرس رحمه الله.

ثم غيَّر الصليبيون استراتيجياتهم لغزو العالم الإسلامي، فبدأت هذه المرة حركة الاكتشاف التي مهدت لما عرف بالاستعمار الأوروبي، وقد كان من أشهرها رحلة"فاسكودي جاما"، وهي الرحلة التي قالوا بعد نجاحها:"الآن طوقنا رقبة العالم الإسلامي، فلم يبق إلا جذْب الحبل فيخنق". وهو ما وقع بالفعل، فقد تدفقت حملة استعمارية تحمل الروح الصليبية بكل ما تعنيه الكلمة من التوافق بين المصالح السياسية والخلفية الدينية، حيث كانت هذه الحملة تتم بدعم لامحدود من قيادات الكنيسة، وعلى رأسهم الأب"نيقولا الخامس"الذي كان يحرص على تغذية الحرب بالمشاعر الدينية، حتى لقد قال الجنرال غورو وهو يقف على أرض الشام:"ها قد عدنا ثانية يا صلاح الدين".

وفي الماضي القريب اتخذت أمريكا من حادث الهجوم على الكويت ذريعة لشن حملة على العراق، وقد كانت حملة صليبية بالمعنى الكامل للكلمة، أولًا لأنها تجاوزت موضوع تحرير الكويت إلى الاستيطان في المنطقة بكل ما يعنيه ذلك من التداعيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وثانيًا لأنها حملت حقدا نصرانيا تجلى في الحرص على تدمير كل العراق، وقتل وتجويع وتجهيل كل الشعب العراقي، بل والعمل على تنصيره كما يقع في الشمال. وهذه هي ملامح الحروب الصليبية على امتداد التاريخ. ولازالت ذيول هذه الحرب تمتد إلى يومنا هذا، وربما كانت أهم الأسرار الكامنة وراء الحملة الصليبية المعاصرة.

2 -الحملة المعاصرة: الحلقة الجديدة

مباشرة بعد غزوتي ثلاثاء الفتح - وقبل أن يظهر أيُّ دليل على مسؤولية القاعدة - أعلنت أمريكا الحرب على أفغانستان، مخالفة بذلك كل ما يعرف بالأعراف الدولية، وضاربة بكل قيمها الديموقراطية عرض الحائط، حيث أعطت لنفسها الحق في كل شيء .. العدوان من غير دليل، والقصف الوحشي للأبرياء، والتدخل في الشؤون الخاصة للدول، وفرض الأنظمة التابعة لها على الشعوب .. إلخ، وكلها تجاوزات أسقطت عن أمريكا وحلفائها الأقنعة التي كانت تتجمل بها، فظهرت على حقيقتها أمام الجميع، خاصة أن بوش لم يتمالك نفسه فأعلن بعظمة لِسَانه أن الحرب صليبيةٌ شاملة.

ولأنها كذلك فقد تجاوزت حد الاعتداء على أفغانستان لتدخِل في دائرتها كل الجماعات المجاهدة على امتداد العالم، حتى تلك التي تقاوم الاحتلال الأجنبي، كالجماعات المجاهدة في فلسطين وفي الشيشان وفي كشمير، وفي غيرها من ديار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت