فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 121

فكل المواقف والإجراءات العدوانية السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية، التي يتّخذها الغرب الصليبي اتجاه العالَم الإسلاميّ تحركها - بالأساس - هذه النظرة التي تحمل في عمقها الإحساس بالخطر من هذا العملاق، خاصة بعد أن ظهرت عليه بوادر استعادة العافية بفعل محاولات الرجوع إلى الهوية الإسلامية، وبفعل تنامي الوعي بالدور الخبيث الذي تلعبه الدول الغربية في تكريس حالة العجز والتبعية.

لكن الغرب الصليبي كان - ولازال - يجتهد في التستر على حروبه العدوانية بعناوين مغلوطة، يقصد بها إرباك الآخر من جهة، وإضفاء الشرعية على نفسه من جهة أخرى، وقد كان أهمها هذه المرة:

لقد أدى الإحساس المتزايد بـ"التهديد"الإسلامي للمصالح الغربية إلى جعْل الحركات الإسلامية على رأس قائمة الأعداء، وخاصة تلك التي تنتمي إلى ما بات يعرف بـ"السلفية الجهادية"، لأن الغرب وجد في الجماعات الممثلة لهذا التوجه حصانة عقدية ومنهجية تصعّب عليه وعلى أوليائه عملية الاحتواء، كما أن هذه الجماعات كانت قد أثبتت أنها الأكثر تعبيرا عن آمال الأمة والأكثر قدرة على التجاوب مع متطلبات المرحلة.

ولم تكن غزوة الثلاثاء إلاّ بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس، وأبرزت الحرب الصليبية إلى السطح، وإلاّ فإن الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني وعملية القتل البطيء (الحصار) لغيره من أبناء الأمة الإسلامية كانت قائمة ولم تكن بحاجة إلى 11 سبتمبر، بل لم تكن تلك الغزوة إلاّ ردا طبيعيا على هذا العدوان. فإذا كان الرد بالمثل يسمى إرهابًا فإن أمريكا هي المسؤولة عن تأسيس الإرهاب والإرهاب المضاد.

عموما لا نريد أن ندخل في الجدل السفسطائي، فأمريكا وحلفاؤها النصارى هم أحرص الناس على عدم تحديد مفهوم دقيق للإرهاب، لأن هذا التحديد سيظهر أن الغرب النصراني هو الإرهابي الكبير عبر تاريخ البشرية. ويكفي أنّ أمريكا تعتبر الجماعات المجاهدة للمحتل الأجنبي - مثل حماس في فلسطين وطالبان في أفغانستان - جماعات إرهابية، وهو ما يعني على أن تعريف الإرهاب عند الغرب هو كل ما يفزعه، وأن الإنسان الإرهابي هو كل مسلم يمكن أن يتسبب في إفزاع إنسان صليبي.

لقد أصبحت"الحرب على الإرهاب"مقولة ممجوجة، خاصة بعدما تجاوزت الحملة المعاصرة الحرب مع مجاهدي القاعدة، وامتدت إلى الاعتداء على دولة طالبان الإسلامية، في هجمة مورست فيها كل أنواع الإرهاب الصليبي على الأمة الإسلامية هناك، بل لقد تجاوزت كل ما له علاقة بالجهاد لتصل إلى كل ما هو إسلامي، سواء كأشخاص ومنظمات أو كدين وثقافة، في محاولة واضحة لفرض القيم الأمريكية والهيمنة الغربية على المسلمين وعلى العالم الإسلامي.

فـ"الإرهاب"في العقل الغربي ليس إلا كلمة السر التي تفتح ملف كل ما هو إسلامي، لأن هناك إرثا ثقافيا مركوزا في الداخل الغربي هو الذي يفك رموز هذه الكلمة المشفرة، أي أن الإدراك الغربي يرى من منظور ثقافي (ديني) أن الإسلام هو الخطر الأكبر الذي كان - ولازال - يشكل له مصدر قلق وفزع، ومن تم فهو المعنى المتبادر لكلمة الإرهاب. وقد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت