الخليفة هذه المرة، فنتج عن هذه الخطوة بداية تغيير في الخط السياسي السلبي الذي ساد الأوساط في بغداد خلال تلك الفترة .. لكن ذلك لم يكن كافيا نظرا للتعقيد الذي وصلت إليه الأمور .. مع ذلك لم يُقل ابن الخشاب ولم يستقل، بل سخر حياته في البحث عن سبل صد العدوان الصليبي، فكان يخرج مع سرايا المجاهدين ويشهد بعض انتصاراتهم، فما لبث أن اغتالته أيادي عملاء الصليبيين بعدما اشتد خطر مشروعه الجهادي.
ليست مثل هذه المواقف حكرا على الماضي، فذكرى الشيخ عبد الله عزام لا زالت قوية في الأذهان، كيف لا وهو الذي قام بمثل ما قام به ابن الخشاب وزيادة، وله الفضل بعد الله في إذكاء جذوة الجهاد في زماننا من جديد.
إنها النفسية التي ينبغي أن تسود علماء الإسلام ودعاته .. نفسية لا تعرف العجز والكسل ولا الذل والاستكانة.
قد تختلف الأوضاع اليوم بأنه لا خير في أي نظام قائم، ولا مجال أصلا للانكار على الحكام يوم الجمعة لأنهم باختصار لا يصلون. لكن تعبئة المسلمين وحثهم على الجهاد والنصرة بالغالي والنفيس، ودعم المجهود الحربي الجهادي بشكل سري ومنظم من المتطلبات العاجلة للمرحلة .. في انتظار أوقات أفضل على المستوى الرسمي.
من بين أسباب اندحار المسلمين في الحملات الصليبية الأولى أن الجند كانوا حديثي عهد بإسلام. فقد كان السلاطين يجلبون المقاتلين من قبائل التركمان ليحدثوا نظاما عسكريا احترافيا حتى لا يكون للأهالي دور في الجيش أو رأي في شأن الملك. لكن مع مرور الوقت حدث عكس ما كان يصبوا إليه الحكام إذ انقلب هؤلاء الجند التركمان عليهم واستقلوا بالحكم لأنفسهم. فكان لهذا الأمر الوقع السيئ على قضايا الأمة لأن هؤلاء الحكام الجدد وجيوشهم لم يكونوا يحملون الهم الإسلامي قط، بل كان المال هو أكبر همهم.
لكن حصل تحول جذري حين فقد الملك نور الدين زنكي أجزاء من مملكته لصالح أخيه، ففقد معها جزءا كبيرا من جيشه. وبما أنه لم تكن له القدرة المالية الكافية لجلب الجنود التركمان، فقد استعان عوضا عنهم بعنصر آخر: الأكراد.
كان الأكراد - خلافا للتركمان - قد أسلموا قديما، فكانوا يشعرون بما تشعر به الأمة ويتألمون مما تتألم منه، إضافة إلى أنهم كانوا أولو قوة وبأس في القتال. فحصل بدخولهم الميدان انقلاب في الموازين القائمة، تَوَّجَهُ صلاح الدين الأيوبي (الكردي) باستعداة القدس من أيدي الصليبيين.
لعل العبرة التي يمكن استنباطها من هذا التحول التاريخي هو ضرورة اهتمام الحركات المجاهدة بإيجاد وتهييء مثل هذه الخزانات الاستراتيجية، التي يكون أصحابها من أقوام ذوي إيمان أصيل وتاريخ عتيد في القتال وفنونه. فإن في ذلك سببا عظيما في استمرار الجهاد والنكاية في العدو.