فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 121

وغزو العراق هو تكملة لهذه الخطة الشاملة للاستحواذ الكامل والشامل على الخيرات الإسلامية، والتي ينوي طاغوت العصر عن طريقها ضرب آمال الأمة في النهوض بالضربة القاضية. فالعراق هو ثاني أكبر بلد نفطي في العالم، وتبلغ احتياطاته المؤكدة 115 مليار برميل أي نحو 11 % من الاحتياطات العالمية. وللتذكير فقط فإن البنك الدولي كان يصنف العراق في السبعينيات ضمن الدول ذات الدخل الفردي المتوسط العلوي، مع إمكانية التحول للشريحة المرتفعة، مما كان يؤهل العراق في ذلك الوقت لدخول نادي الكبار، والخروج عما تسطره الدول الصليبية للمنطقة من ذل وتبعية، لولا اتباع قادته لسياسات خرقاء - بإيعاز من أعداء الأمة - أكلت الأخضر واليابس. وبضرب العراق يتم إلغاء دوره نهائيا في الإزعاج (المتوقع) لمصالح أمريكا والكيان الصهيوني، ليتم إغلاق الجبهة الشرقية (النظرية) المقلقة للصهاينة بعد أن تم تكبيل الجبهة الغربية (الواقعية) في مصر بعملية كامب ديفيد، وبهذا يقفلون ما كان يسمى بـ (الصراع العربي الإسرائيلي) .

لقد كانت التحركات العراقية هي ذاتها الذريعة التي اتخذتها أمريكا لتنسج نسيجا عنكبوتيا حول المنطقة. فقد تدرجت منذ الثمانينات بنيل"تسهيلات"عسكرية من دول المنطقة، ثم سرعت وتيرة وكثافة حضورها إثر حرب الخليج الثانية (1991) فحصلت على قواعد دائمة، لينتج عن هذا النسيج إقامة ما يزيد عن 63 موقعا عسكريا في 11 دولة"إسلامية" (الخليج، دول"الطوق"، القرن الإفريقي، تسهيلات واسعة النطاق في شمال إفريقيا، حضور مكثف في وسط وجنوب آسيا حول وداخل أفغانستان) ، وهو ما يعني أن مجال القيادة المركزية الأمريكية لما تسميه الشرق الأدنى يشمل 25 دولة تقع على المساحة الممتدة بين باكستان شرقا والمغرب غربا. وهذا التواجد الضخم يقصد منه إدخال المنطقة في مرحلة الخضوع الكامل للإرادة الأمريكية-الصهيونية، بعد كسر إرادة التحدي لدى الشعوب، وهو ما يعطي رسالة لشعوب المنطقة بأنها أصبحت تعيش عصر ما بعد الدكتاتورية وما بعد الديمقراطية .. عصر الحكومة العالمية الأمريكية الصهيونية [1] .

إذا كانت الحملات الصليبية الماضية قد جاءت لرد الاعتبار لسلطة الكنيسة، فإن الأسباب السياسية المعاصرة هي كذلك تصب في نفس المنحى، لكن ربما بفارق صغير هو أن التهديد ليس لسلطة الكنيسة (التي لم تعد تحكم بشكل مباشر) ، وإنما لنظام أقامته الدول الغربية بمباركة الصليب، وهو النظام الذي يهدف للإبقاء على عالم إسلامي ذليل وتابع يشرف عليه كيان يهودي يكون بمثابة الخنجر في خاصرته.

كما أن أمريكا - والغرب عموما - تسعى منذ مدة لتغيير العالم من حيث اقتصاده وفكره وعلاقاته الاجتماعية، وفقا لمنظور الغرب وتجربته الخاصة، بشكل يصب في مصلحتها دون غيرها من الامم والشعوب. وقد أشكل على أمريكا أن المجتمعات الإسلامية لا تتعامل مع الإسلام كدين فقط، ولكن كوسيلة للتفكير وعلاقات تواصل وفلسفة حياة، ومن ثم تبين لأمريكا أنه يستحيل استيعاب المنطقة الإسلامية في دوامة العولمة دون القضاء على الإسلام نهائيا.

(1) - كما عبر عن ذلك باقتدار الكاتب عبد العزيز كامل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت