فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 121

المسلمون، تقول: (سنقتل طِفلَيْن مسلمَيْن، مقابل كل جنديٍ بريطانيٍ يُقتَل في العراق) !! أما ما يعانيه المسلمون في بلاد الغرب هذه الأيام من الاضطهاد والتمييز والتضييق فلا يحتاج إلى تعليق.

وعموما العالم الغربي كلُّه مسكون بفكرة الحروب الصليبية، وهي عميقة في الجذور النفسية والفكرية للشخصية الغربية، وتكفي الإشارة إلى أنه لم توجد دولة مسيحية واحدة اعترضت على العدوان الأمريكي على أفغانستان، حتى العالم الشرقي الأرثوذكسي والذي تقوده روسيا وقف هو الآخر في صف أمريكا، لأن العدو هذه المرة هو"الإرهاب"الإسلامي الذي يريد التحرر من ربقة الاحتلال النصراني.

إن العقل الغربي المعاصر ما هو إلاّ امتداد للعقل الغربي في القرون الوسطى، وكما كان رجال الكنيسة يعملون على ترغيب الناس في الحرب من خلال وعدهم بأن احتلال القدس يساوي الذهاب إلى الجنة, فإن رجال الكنيسة"الغربية"يعملون اليوم على الترغيب في محاربة العالم الإسلامي لنصرة القيم الأمريكية، ولقتال الإرهابيين الذين يهددون"إله الحرية"ويقفون في وجه عولمة القيم الغربية، ولذلك فليبارك الرب الحرب الصليبية على كل المسلمين، لنبدأ بالمجاهدين، فـ"ليس الجهاد إلا"صاعقًا"لقنبلةٍ هيدروجينيةٍ من نوعٍ جديد، اسمها: الإسلام) [1] ! .."

وللتوضيح، فإن الخلفية النصرانية للحروب الصليبية لا تعني أن يكون هؤلاء النصارى متدينون بالمعنى العملي، كلا، فهم غالبا ما يكونون من أبعد الناس عن الارتباط بالتعاليم المسيحية، فلا هم مسيحيون و"لا هم يحزنون"، وإنما هم مجرد نصارى حاقدين على المسلمين وطامعين في خيراتهم، ولا بأس أن يكون بعضهم متدين بالمعنى الاعتقادي، أي يحمل في رأسه وقلبه مجموعة من الأفكار المشبعة بالروح التلمودية، والتي تدعو إلى إبادة كل ما هو إسلامي وإلى التعجيل بإقامة دولة إسرائيل الكبرى لأنها مفتاح الخروج الثاني للمسيح عليه السلام!!

فعقدة الحروب الصليبية إذن هي أساس المفاهيم التي ينظر من خلالها الغرب إلى العالم الإسلامي، وإذا وجد بعض النصارى الطيبين والعقلاء فهذا لا ينفي القاعدة العامة، لأنهم استثناء من الأصل، وغالبا ما يكونون أبعدَ الناس عن مواقع التأثير. ومن الخطأ الكبير أن نروج لهذه الحالات الاستثنائية على أنها الوجه الحقيقي للعالم الغربي.

باستثناء بعض الأفراد القلائل يمكن أن نجزم أن العالم الغربي لم يعرف قط المسيحية على حقيقتها، وإنما عرف صورة محرفة من صنع الكنيسة لا صلة لها بالأصل. وباعتراف مؤرخي الغرب ومفكريه فإن اليهودي"بولس"كان قد أدخل على العقيدة المسيحية تعديلات جوهرية صرفتها كليا عن حقيقتها الخالصة.

إذن لقد بدأ الاختراق اليهودي للمسيحية منذ زمن طويل، وهو السبب الأول في كل الانحرافات العقدية الموجودة عند النصارى. لكن الجديد في عالم الاختراقات اليهودية للمسيحية كان في القرن السادس عشر ميلادي، حين ظهر المذهب

(1) - مجلة"دير شبيغل"الألمانية-العدد الثامن لعام 1991 م- الصفحات 142 - 149.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت