خلال الحملات الصليبية الأولى كان هجوم العدو مباغتا للمسلمين، الذين فوجئوا دوما بهجوم الغزاة وكذلك بعددهم وعتادهم، ولذلك كان العدو يستفيد من هذا العنصر أيما استفادة فيحرز المكاسب تلو المكاسب.
لكن الشأن مختلف اليوم، فجل المعلومات المتعلقة بالحملة الصليبية معروفة مسبقا، ولا مجال لعنصر المفاجأة إطلاقا. في المقابل نجد أن المجاهدين هم الذين يحتكرون عنصر المفاجأة، ويحددون توقيت ومكان العمليات، فأحرزوا بذلك سبقا لا يقدر بثمن.
كما أن الإعلان الوقح عن الحملة الصليبية والأهداف التي يتوخون من وراءها كذلك صب في مصلحة المجاهدين، وذلك لأن صناع الرأي الإسلامي على اختلاف مشاربهم باتوا مدركين لحقائق الأمور، ولم يعد هناك ما يصرف عن اتباع خطوات عملية للدفاع عن الأمة، عوض الدخول كما كان يأمل الأعداء في متاهات جانبية.
إن تعبئة المسلمين عامة وفي كل الأقطار من أولى الأولويات لمواجهة الخطر الداهم، وهو الأمر الذي لا يجب أن يقتصر على المجاهدين وحدهم، وإنما ينبغي أن يتعداه لكافة القوى والفعاليات الاسلامية لأن مصير الأمة الإسلامية هو الذي يرجح في الكفة هذه المرة، وليس مجرد قضية ثانوية إذا اهتم بها البعض حصلت الكفاية.
ودور العلماء والدعاة المخلصين عظيم في هذا الشأن، ولعل التاريخ يثبت لنا هذه الأهمية: لقد جوبهت الحملات الصليبية الأولى بلا مبالاة مطلقة من طرف الحكام في صورة مطابقة لما يحدث اليوم، لكن أحد العلماء الربانيين وهو أبو الفضل بن الخشاب عالم مدينة حلب وقاضيها، كان له الفضل في بث روح الجهاد ضد الصليبيين، وتحريض المؤمنين على القتال في سبيل الله، وعدم ترك هذه الفريضة في يد الجيوش النظامية التي ابتعدت عن الطريق القويم، ولم يعد يهمها سوى مصالح قادتها المادية. لم يكن الأمر سهلا آنذاك فقد أخذ الفساد في النخب الحاكمة مأخذه، لدرجة أن حاكم حلب رضوان رضخ لأمر القائد الصليبي Tancred، وهَمَّ بإقامة صليب فوق مئذنة المسجد الجامع بحلب [1] . فما كان من ابن الخشاب إلا أن قاد انتفاضة كسرت الصليب، بل وذهب أبعد من ذلك حين قرر زيارة بغداد سنة 1111 م ليحث القيادات هناك على الجهاد. وبعد أن حاول لقاء الخليفة دون جدوى، ذهب إلى أكبر مساجد بغداد ومنع الخطيب من الصعود لخطبة الجمعة وأخذ الكلمة مكانه، فحرض الحاضرين على الجهاد وذكرهم بواجبهم تجاه الأمة. لم يثمر هذا العمل سوى تطمينات رسمية لا تسمن ولا تغني من جوع، فأعاد ابن الخشاب الكَرَّةَ ثانية في الجمعة الموالية لكن في مسجد
(1) - إن في هذا الأمر قمة الطغيان والكفر، ومثله اليوم ما يقوم به الحكام - بأمر من الصليبيين - من وضع شرائع الكفر فوق شريعة الله في الدول"الإسلامية".