من المعلوم عندنا أن اليهود أشد عداوة للمسلمين من النصارى، قال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة:82] ، ولعل هذا هو السبب في الحساسية العالية التي تجدها في إرثنا الثقافي اتجاههم، فنحن نبغض اليهود أكثر من بغضنا للنصارى، لكن إذا تأملنا التاريخ فإننا نجد أن جل حروبنا في الماضي كانت مع النصارى ولم تكن مع اليهود!! فاليهود لم يدخلوا حربا مع المسلمين طيلة أربعة عشر قرنًا إلا مرة في زمن النبوة، ثم عند الاحتلال الأخير لفلسطين، بخلاف النصارى فإن الحرب معهم لم تكن تهدأ إلاّ قليلا!!
ومن المهم جدا أن نقف أمام هذا المعطى التاريخي الهام، لا لنبحث عن الأسباب الكامنة وراء قلة الحروب مع اليهود، فهي معروفة، ولكن لنتأمل في الدلالات التي تحملها كثرة الحروب مع النصارى، هذه الحروب التي لازالت مستمرة إلى الآن، والتي لا تعد دولة اليهود في فلسطين إلاّ واحدة من آثارها، لعل هذا التأمل يساعدنا على استعادة التوازن إلى نظرتنا العقدية اتجاه النصارى، وأنهم في الحقيقة ليسوا"إخواننا النصارى"كما يحلو للبعض أن يصفهم، وإنما هم أعداؤنا النصارى، الكفار الذين كانوا دائما أعداء، والذين كثيرا ما كانوا كأنهم الذراع التنفيذي للمشروع اليهودي، لأنهم ينطلقون من تحالف عقدي يضع الإسلام هو العدو الأول في حياته، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [المائدة:51] .
يجب أن لا تغطي كراهيتنا لليهود الدورَ الخبيث لأوليائهم النصارى، كلهم أعداء، وإذا كان اليهود هم الأشد عداوة للذين آمنوا، فإن النصارى هم الأكثر قتالا للذين أسلموا، إضافة إلى أن التطور العقدي للمسيحية لم يترك فرقا يذكر بين النصارى واليهود، فجلهم صار من أتباع الحركة الصهيونية، إلاّ ما استثناه الدليل.
لقد تبين لنا من خلال اللّمحة التاريخية أن الحملات الصليبية مرتبطة بشكل مباشر بالنصارى، فهم مادتها الأولية .. القادة نصارى، والجنود نصارى، والمجتمعات النصرانية مستعدة دائما لتزويد الجيوش الصليبية بالعناصر المطلوبة. إذن هناك تداخل كبير بين النصارى والحملات الصليبية، ومن الصعوبة بمكان التفريق بينهما، إلاّ في حالات استثنائية ضيقة لا تعبر عن حقيقة الواقع من جهة، ولا تصلح لتأسيس الموقف المبدئي اتجاه هؤلاء النصارى من جهة أخرى.
وحقيقة هذا التداخل معروفة غير خافية، وهذا التاريخ أمام الجميع، لقد كانوا دائما أعداء، وفي أكثر الأوقات محاربين، ويمكن مشاهدة هذه الحقيقة في الماضي البعيد كما يمكن مشاهدتها في الماضي القريب، فهي موجودة في الحملات على العالم الإسلامي في التاريخ القديم، وفي الحملات الاستعمارية في التاريخ الحديث، وفي الحملات على البلقان وعلى العراق وعلى أفغانستان في التاريخ المعاصر .. إلخ. ويكفي أن نستحضر أن دولة اليهود التي تعد أم المشاكل الإسلامية في الوقت الراهن هي - في حقيقة الأمر - إنتاج إنجليزي، توطد في الماضي بفعل التواطؤ الغربي، ولازال مستمرا بفعل الدعم الأمريكي اللامحدود. بل ويمكن ملاحظة مشهد التداخل بين النصرانية والصليبية في المواقف الرسمية كما يمكن ملاحظتها على المستوى الشعبي، فأثناء حرب الخليج الثانية ظهرت شعارات في بريطانيا تُكتب على جدران الأحياء التي يسكنها