فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 121

يمكن القول إن الحملات الصليبية الأولى كانت تهدف إلى استرجاع مكاسب الماضي والانتقام من الفتوحات الإسلامية الكاسحة. لكننا اليوم نجد أن الدول"الإسلامية"كلها تعيش في تبعية مطلقة للغرب، فما السبب في إطلاق حملة صليبية أخرى؟

يظهر أن السبب هذه المرة هو الحفاظ على القوة وليس اكتسابها من الأول كما كان الأمر سابقا. ففي سنة 1980 أعلن الرئيس الأمريكي كارتر في رسالته السنوية إلى الكونغرس مجموعة من المبادئ التي ستمكن الولايات المتحدة من التحرك السريع في مواجهة الاتحاد السوفيتي. والأفكار التي طرحها كارتر، والتي كان لبريجنسكي [1] اليد الطولى في إعدادها، هي التي تمت تسميتها فيما بعد بـ"مبدأ كارتر". ركزت هذه الرسالة على مناطق الشرق الأوسط والخليج العربي وجنوب آسيا، ودعت لإعادة الهيبة والنفوذ الأمريكيين فيها بعد الغزو السوفييتي لأفغانستان، والدفاع عن المصالح الأمريكية والرأسمالية في تلك البقعة من العالم، التي تعد من أكثر المناطق أهمية بالنسبة لسياسة الدول الكبرى بما تمثله من نفط ومال وموقع استراتيجي، ولا يمكن لمن يطمع في حكم العالم بتاتا الاستغناء عنها.

ويلخص مضيق هرمز الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الخليج، ففي سنة 1980 كانت تمر عبر هذا المضيق ناقلة نفط واحدة كل ثماني دقائق. وكان مجموع ما تحمله الناقلات يقدر بـ 19 مليون برميل من النفط يوميا أي 40 % من تجارة النفط العالمية، ومنها 12 % من النفط الذي تستهلكه الولايات المتحدة الأمريكية. أما اليوم فقد تضاعفت هذه الأرقام، وتضاعفت معها أهمية المنطقة في نظر الساسة الأمريكيين.

وزاد الطين بلة فشل سياسة أمريكا في بناء احتياطات نفطية ضخمة. فقد أصبحت الاحتياطات الأمريكية التي تبلغ 22 مليار برميل لا تساوي إلا 2 % فقط من الاحتياطات العالمية المؤكدة، والأدهى أنها تتناقص باطراد رغم امتلاك أمريكا لأحدث الأساليب والمعدات التكنولوجية وتوفرها على أعلى القدرات الاستثمارية. وهذا كذلك عامل معتبر في تحرك أمريكا السريع للسيطرة على منابع النفط عوض أن تستمر في الاعتماد على الاحتياطات الذاتية.

إن الحملة الصليبية الحالية ما هي إلا امتداد لما كان يُعَدُّ للمنطقة منذ أواسط السبعينات. ويؤكد هذا الترابط أن بريجينسكي هو ذاته مُنَظِّر استيلاء أمريكا على آسيا الوسطى منذ بداية التسعينات، ونظرياته نالت اهتماما بالغا منذ أن برز الخطر الاستراتيجي لمجاهدي القاعدة وإمارة طالبان على التحالف الصليبي- الصهيوني، وزاد من رواج طرحه ما ادعاه بريجينسكي من أن وجود أمريكا في قلب اليابسة الأوراسية، على حدود الصين وروسيا وإيران، وعلى تُخُوم منطقة الخليج العربي، يمكنها من السيطرة على كل القوى المنافسة الحالية والمستقبلية. كما دعا أمريكا، التي استثمرت في حقول النفط والغاز لبحر قزوين وآسيا الوسطى حوالي 50 مليار دولار، أن تتخذ هذه الاستثمارات كمسمار جحا للاستيلاء على ما تختزنه تلك المنطقة من نفط يقدر ب200 مليار برميل من النفط، وغاز طبيغي يبلغ حوالي 600 تريليوم متر مكعب.

(1) - مستشار الرئيس كارتر لشؤون الأمن القومي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت