والإلزام الأخلاقي لا ينتهي فقط عند النصوص الشرعية أي الأوامر والنواهي والمندوبات التي وردت في شأنها نصوص في القرآن أو السنّة، بل يتجاوزها إلى ما لم يرد فيه نص، لأن النصوص محدودة ووقائع الأنام غير محدودة، وتختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. لذلك كان الإلزام الأخلاقي هاجسًا نفسيًا عقليًا فرديًا يؤرق ضمير المسلم ويسبب له قلقًا حتى يؤديه، مثال ذلك القضية التي يفصل فيها القضاء لمصلحة المدعي ويعلم المدعي أن المدعى عليه بريء وأن القضاء أخذ جزءًا من ملكية المدعى عليه وأعطاها إياه، فيظل المدعي قلقًا ويعلم أنه كان ألحن في حجته من صاحبه فحكم له القضاء بالملكية التي هي أصلًا ليست له، ورد في الصحيحين عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار... ) . وعندئذ يعيد الحق إلى صاحبه بعيدًا عن القضاء، لأن الإلزام الأخلاقي أملى عليه واجبًا دينيًا أخلاقيًا ليس وراءه جزاء أو ثواب دنيوي لكنه لن يعدم ثواب الآخرة، فإعادة الملكية إلى صاحبها كانت محض التزام أخلاقي يبتغي به فاعله وجه الله وإحقاق الحق وإرساء العدل المطلق الذي ليس وراءه نزعة مادية أوشهوة فردية أو ميل عرقي جماعي. وهذا نموذج إسلامي نسيج وحده لا شبيه له ولا مثيل في الاعتقادات السماوية المحرفة أو المذاهب الوضعية.