أسباب اندثار الأسطورة. الأساطير بالمعنى الاصطلاحي الذي أكده القرآن الكريم تؤكد أن العرب، شأنهم شأن سائر الشعوب، قد مروا بالمرحلة الأسطورية، وأن لهم تراثًا أسطوريًا يعكس رؤيتهم وموقفهم من الكون والعالم والوجود منذ جاهليتهم الأولى، على عكس ما أنكر المنكرون من المستشرقين وهو إنكار ينطوي على اتهام للعقل العربي وللمخيلة العربية بالعجز والقصور. غير أن هذه الأساطير ـ على كثرتها ـ ما لبثت بعد انتصار الدين الجديد ـ أن أخذت في التبدد والتلاشي باعتبارها تراثًا وثنيًا. ولم يكن ذلك في صدر الإسلام إبان عهد النبوة والخلافة الراشدة فحسب، بل استمر ذلك في العصور اللاحقة، حيث وقف فقهاء المسلمين من هذه الأساطير (الجاهلية) موقفًا حاسمًا بلغ حد القطيعة المعرفية بين موروث العصور الجاهلية من ناحية، وتراث الإسلام من ناحية أخرى. ثم شايعهم في ذلك الرواة والعلماء المسلمون ـ إبان عصر التدوين ـ فقد أصابهم جميعًا حرج ديني بالغ في رواية هذه الأساطير، بل تدوينها. وكان طبيعيًا في ضوء هذه القطيعة، واتساع المسافة الزمنية ـ بين العصر الجاهلي وازدهار عصر التدوين ـ أن تندثر معظم الأساطير العربية بعد أن فقدت وظائفها الدينية والمعرفية، وأن تندثر معها تفاصيلها الطقوسية الدقيقة وأخيلتها من الذاكرة التاريخية، علي نحو ما حدث عندما كتب محمد بن إسحاق (ت 152هـ، 769م) السيرة النبوية، وكان قد ضمنها بعضًا من أخبار الجاهلية الأولى التي لم تكن إلا مادة أسطورية. جاء من بعده ابن هشام (ت 213هـ، 828م) فعمد إلى إسقاط هذه المادة الأسطورية على نحو شبه كامل ـ برغم ضخامتها ـ حتى نسبت إليه السيرة دون ابن إسحاق.