وعلى الرغم من أن هذه القطيعة الدينية والثقافية والتدوينية قد فعلت فعلها الهائل في اندثار الأساطير العربية، بعد أن فقدت وظائفها، وانفرط عقدها، فإن مادتها التي علقت بالذاكرة الجمعية أو العقلية الأسطورية للعامة، لم تتبدد، وإنما تحللت أو تحولت إلى"عناصر"أسطورية استطاعت أن تتسرب ـ في كثير منها ـ إلى الثقافة العربية الإسلامية، بشقيها الشفاهي والكتابي، وأن تتبدى تجلياتها على شكل ممارسات أو عادات سحرية، أو على شكل عادات وطقوس لا معقولة، أو على شكل سلوك وثني موروث، أو على شكل معتقد شعبي لا إسلامي، أو غير ذلك مما هو سائد في العادات والتقاليد والمعتقدات الشعبية العربية ذات الجذور الأسطورية التي لاتزال فاعلة في الذات العربية العامة ـ ربما إلى اليوم ـ التي استطاعت أيضًا أن تعرف طريقها إلى التسجيل والتدوين في المصادر العربية القديمة، بشكل مباشر أو غير مباشر، على نحو ما جاء في المصادر الدينية ومصادر التفسير وقصص الأنبياء، وكذلك كتب الملل والنحل وما كتب عن الأصنام، وكتب الأدب ومعاجم اللغة، ومصادر الشعر الجاهلي وكتب الأمثال، وكتب المغازي والفتوح ومعاجم البلدان، وكتب الأخبار والأنساب والتراجم والسير التاريخية والشعبية، وكتب الحيوان، وعجائب المخلوقات وغرائب الموجودات وغيرها.
نماذج من الأساطير العربية. على الرغم من أن المادة الأسطورية جاءت ـ في معظمها ـ مقتطعة من سياقها السوسيو ـ ديني أو الثقافي، إلا أنها تؤكد أن العرب قد عرفوا الأساطير بكل أنواعها: الأساطير الكونية (أساطير الخلق والتكوين) والأساطير الطقوسية (الدينية) والأساطير التعليمية، والأساطير الرمزية، والأساطير الحضارية، وأساطير البطل المؤلَّه ونظائره من الكائنات الخارقة في العصور الجاهلية السحيقة والمتأخرة.