ويستطيع الباحث في هذه المادة الأسطورية أن يفرق بين أمرين بشأن تدوينها في كتب التراث؛ فبعضها حفل بتدوين أساطير عربية متكاملة أو شبه متكاملة، وإن وردت مجملة أو شديدة الإيجاز، ومنتزعة من سياقها الطقسي أو الشعائري، وبعضها اكتفى بتدوين بعض أجزاء منها فيما يعرف باسم"العناصر"الأسطورية. وهذه العناصر هي التي أطلق عليها الجاحظ (ت 255هـ، 868م) مصطلح أوابد العرب ومنها ـ على سبيل المثال ـ إيمان العرب في جاهليتهم بالهامة والصدى، وإلقاء سن الثغر إلى الشمس، وجزّ ناصية الفارس الأسير (حيث الشعر مكمن القوة) ، ومنها الإيمان بالسحر والكهانة والعيافة، والتطير وزجر الطير، وشق الرداء، وخدر الرِّجل واختلاج العين ... إلخ. ومنها معتقدات العرب المعروفة باسم نيران العرب بكل أنواعها ورموزها الاعتقادية والسحرية والعلاماتية (السيميائية) التي أفاض أيضًا في ذكرها النويري (ت 732هـ، 1331هـ) . ومنها الإيمان بالرئيّ والعمار والهاتف، وكذلك الغيلان والسعالي، وقدرتها على التحول والتشكل في أية صورة تشاء، ولاسيما السعالي من سحرة الجن التي تتشكل على هيئة فتاة حسناء أو أم تنادي وليدها وتتراءى للمسافر في القفار أو للساري في الخلوات، فيتبعها، فتفترسه، وقد تتزوج به، وغير ذلك من"عناصر"ذات طابع أو أصل أسطوري، مما نهى عنه الإسلام صراحة"لا هامة ولا صفر ولا غول ...إلخ"وما أكثر ما وصلنا من هذه العناصر الأسطورية في كتب الأمثال والأخبار والحيوان وعجائب المخلوقات.