أما المادة الأسطورية التي وصلتنا فهي، على شدة إيجازها، شبه كاملة أو كاملة فهي كثيرة؛ فثمة أساطير كونية تتعلق بالخلق والتكوين، وقد عرفت طريقها إلى التدوين في كتب الأخبار والتواريخ الموسوعية، وبعض الإسرائيليات والأحاديث الموضوعة. وثمة أساطير تتعلق بالمعتقدات الدينية، فقد كان للعرب آلهتهم في الجاهلية الأولى والثانية، وعرفوا ـ مثل سائر شعوب المنطقة ـ عبادة الآلهة الشمسية والقمرية، وإلى ذلك يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: ? ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، واسجدوا لله الذي خلقهن? فصلت: 37. وما أكثر آلهة العرب في الجاهلية، وما أكثر أصنامهم وأوثانهم وأنصابهم الرامزة إلى هذه الآلهة، في مراحل عقائدية متلاحقة ومتداخلة، مثال ذلك الآلهة الشمسية اللات (إلهة الخصب والحب والجمال) ومثلها العزّى، أو الآلهة القمرية مناة باعتبارها إلهة الموت أو المنية التي ورد ذكرها في سورة النجم (53: 20) . وكان لهذه الآلهة جميعها طقوسها وشعائرها، كما يروي ابن الكلبي (ت 146هـ، 763م) ومنها أن قريشًا حينما كانت تطوف بالكعبة قبيل الإسلام، تنشد (وهذا هو المنطوق القولي للأسطورة) وتقول: واللات والعزّى ومناة الثالثة الأخرى، فإنهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى. وكانت العرب تزعم أن هذه الآلهة هي المدبرة للعالم بخيره وشره. كما عبدوا الكواكب والنجوم السيارة، ومن أشهرها"الزهرة"آلهة الجمال والحب والإغراء في الميثولوجيا العربية، وهذه الآلهة هي التي كانوا يعتقدون أنها أوقعت أعظم ملكيْن ـ علمًا ودينًا ـ في شراك إغرائها، وهما هاروت وماروت. وتروي الأسطورة أنها طلبت منهما أن يعلماها الكلام الذي يصعدان به إلى السماء، فعلّماها، وعرجت إلى السماء، وهناك نسيت ما تنزل به إلى الأرض، فبقيت هناك، وأصبحت ذلك الكوكب الجميل، كوكب الحب والحسن والغناء والسرور عند العرب.