فهرس الكتاب

الصفحة 1030 من 1116

قولٌ نفيسٌ لابن حزم

قال بن حزم [1] "نقول لمن قال إن الإيمان هو التصديق باللسان والقلب متعلّقًا باللغة: لا حجة لكم فيه أصلًا لأن اللغة يجب فيها ضرورة أن كل من صدّق بشيء فأنه مؤمن به، وأنتم والأشعرية والجهمية والكرّامية كلكم توقعون اسم الإيمان ولا تُطلقونه إلا على كل من صدّق بشيء ما، ولا تطلقونه إلا على صفة محدودة دون سائر الصفات وهي من صدّق بالله وبرسوله - صلى الله عليه وسلم - وبكل ما جاء به القرآن والبعث والجنة والنار والصلاة والزكاة وغير ذلك مما أجمعت الأمة على أنه لا يكون مؤمنًا من لم يصدّق به. وهذا خلاف اللغة."

فإن قالوا إن الشريعة أوجبت علينا هذا قلنا: صدقتم فلا تتعلّقوا باللغة ... فإن أصل الإيمان التصديق، إلا أن الله عز وجل وقع لفظة الإيمان لأشياء أخرى مخصوصة وهي أعمال الجوارح وكل ما هو طاعة. والتصديق يكون بالقلب وبسائر الجوارح قول النبي - صلى الله عليه وسلم -"العين تزني وزناها النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام ... والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" [2] . فأطلق العمل على الإيمان كما أطلق الإيمان على العمل.

فلا يحلّ لأحد مخالفة الله تعالى فيما أنزله وأحكمه فإنه تعالى خالق اللغة وأهلها فهو أملَكُ بتصريفها وإيقاع أسمائها على ما يشاء.

فالتصديق في الشرع تصديق خاص زاد عليه الشارع أحكامًا غير ما يعرف في اللغة.

ـ ثم عجبًا لمن وجد لامرئ القيس أو لزهير أو لجرير لفظًا في شعرٍ أو نثرٍ جعله في ا للغة ولم يعترض فيه. ثم إذا وجد لله تعالى (خالق اللغات وأهلها) كلامًا لم يلتفت إليه ولا جعله حجةً، وجعل يصرفه عن وجهه ويحرّفه عن مواضعه ويتحيّل في إحالته عما أوقعه الله عليه"."

ضرورة التفريق بين المصطلح اللغوي وبين المصطلح الشرعي

ولهذا فاعلم أن الإسلام قد استعمل بعض الكلمات العربية وأضاف إليها معانٍ خاصة مثل الصلاة التي هي في اللغة مجرد الدعاء. والصوم الذي هو في اللغة الإمساك عن أي شيء، وهو في الاصطلاح الشرعي غير ذلك. وكذلك البدعة تحتمل في اللغة ما كان حسنًا وما كان سيئًا فإنه ليس معناه التصديق فقط كما في اللغة. وإنما يتعدى ذلك إلى تسمية الأعمال الصالحة إيمانًا.

(1) الفصل 3: 190 - 192 .

(2) متفق عليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت