-أما تقسيمكم للكفر فقد جاء في مجلتكم (منار الهدى 2/16 و 39) ما نصه"وهؤلاء فقهاء الإسلام الذين قسّموا الكفر إلى ثلاثة أقسام أخذوا ذلك مما فهموا من القرآن". وذلك ردًا على من طالب الحبشي بالدليل على تقسيم الكفر إلى ثلاثة أقسام .
-وأما تقسيم شيخكم التوحيد إلى ثلاثة أقسام فهو مبنيٌ على طريقة الفلاسفة كابن سينا والفارابي [1] ويتفق تمامًا مع تقسيم المعتزلة كما نجده عند القاضي عبد الجبار المعتزلي وبنفس اللفظ [2] .
حيث يقسّم التوحيد إلى ثلاثة أقسام:
? واحد في ذاته لا قسيم له ، بمعنى نفي الكثرة المصححة للقسمة . وفسّره بمعنى (الأحد) الذي لا ينقسم [3] , وهو من تعبير الفلاسفة كقول الفيلسوف الكندي"ولا ينقسم الله بنوع من أنواع التكثر" [4] . [5] ولفظ (الأحد) مفهوم عند العامة والخاصة ، ولكن جاء المؤولة أهل الكلام واصطلحوا على معنى خفي لهذا اللفظ وهو: الذات المجردة عن الصفات
? واحد في صفاته لا شبيه له . بمعنى نفي النظير عنه في ذاته [6] .
? واحد في أفعاله لا شريك له . بمعنى نفي المساهم في اختراع المصنوعات وتدبير المخترعات [7] . [8] .
وليس في شيء من هذه الأقسام الثلاثة تطرقٌ إلى التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه: وهو توحيد الله في الدعاء والعبادة والذبح والنذر { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي } (مريم 48) { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } (الجن 18) ولهذا نجد عندهم شرك دعاء غير الله على النحو الذي كان عليه أهل الجاهلية من نذر وذبح للأولياء وللأضرحة ، مع زعمهم أنهم قرروا التوحيد بهذه الأقسام الثلاثة .
فهذه التعابير محدثة لم ينطق بها السلف ولا يستسيغها الناس لا لصعوبتها وإنما لعُجْمَة لكنتها ولأنها من عند الفلاسفة والمتكلمين الذين هم أكثر الناس مرضًا وشكًا في الله على حد قول الغزالي القائل"إن الإيمان المستفاد من الدليل الكلامي ضعيف جدًا ومشرف على الزوال بكل شبهة" (الإحياء 1: 94) وقال أيضًا في (فيصل التفرقة 153) "فَقِسْ عقيدة العامِيّ بعقيدة المتكلمين والمجادلين تجد اعتقاد العامّيّ في الثبات كالطوْد الشامخ لا تُحركه الدواهي والصواعق".
(1) نهاية الإقدام 99 الإشارات لابن سينا 3: 44 فصوص الحكم 123 للفارابي .
(2) كتاب المغني ص241 للقاضي عبد الجبار المعتزلي .
(3) إظهار العقيدة السنية 26 .
(4) مذاهب فلاسفة المشرق 76 للعراقي تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام 337 آراء أهل المدينة الفاضلة 3 وفصوص الحكم 132 .
(5) وهو تقسيم باطل لأن الإنسان يوصف بأنه واحد مع أنه منقسم ، قال تعالى (ذرني ومن خلقت وحيدا) وهذا الوحيد له عينان ويدان ورجلان وجوارح كثيرة . وقال (ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا) فوصف المخلوق بأنه (أحد) فمن أين يدّعي أن الأحد خاص فيما لا ينقسم ولا يقبل الاتصاف ؟ لا القرآن يفيد ذلك ولا اللغة . فانه لا يعقل أن يكون الواحد مما لا يتصف بالصفات وإلا كان نفيًا للأحد وإنما يريدون بهذا نفي ما ثبت من صفات الله أن له يدين وأن القلوب بين أصابعه . فهذا عندهم تبعيض لا يليق بالله لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصف ربه به مما يدل على تعارض منهج النبوة مع منهج أهل الكلام . وتعارض ما وصف الله (الواحد) به نفسه من أنه استوى وينزل ويراه المؤمنون .
(6) وأرادوا من القسم الثاني إدراج نفي الصفات تحت ذريعة نفي التشبيه . وصدق من قال اتخذوا نفي التشبيه جنة فصدوا عما وصف الله به نفسه .
(7) الدليل القويم 33 .
(8) وهذا التقسيم غاية التوحيد عندهم به يُثبتون خالقًا واحدًا لكن الأنبياء أول ما دعوا إليه الناس عبادة هذا الخالق الواحد لم يكونوا يبدءونهم بأن خالق العالم واحد .