يسمونها بغير اسمها
وتذلل وخضوع المستغيثين عند أعتاب وأضرحة الأولياء وبين يدي مشايخهم هو الخشوع الذي لا يجوز أن يكون إلا لله . وقد أفلح الخاشع في صلاته بين يدي ربه . وهذا الشرك ( أعني التذلل والخضوع لغير الله ) قد ألبسوه لباس الدين بإعطائه أسماء مختلفة ، فبدل أن يسموه عبادة سموه توسلًا ، وبذلك ارتكبوا جناية على اللغة والدين ، فبدلوا اللغة كما بدلوا الدين .
فالاستغاثة: طلب الغوث ، كما أن الاستعانة طلب العون من المستعان به ، فإذا كانت بنداء من المستغيث للمستغاث كان ذلك سؤالًا منه وهو واضح وصريح أن ذلك ليس توسلًا به إلى غيره ، يسمونها بغير اسمها ، وذلك على غرار تسمية الربا ( فائدة ) والخمرة ( أم الأفراح ) حتى لا يقال لهم ( إنكم لمشركون ) !!!
فكما أن هناك من سمى الخمرة بغير اسمها فهناك من يسمى الشرك بغير اسمه يسميه توسلًا وتبركًا ويسمي التحريف تأويلًا ويسمي التعطيل تنزيها ويسمي الرقص ذكرًا ويسمي التقديس محبة ! هكذا يزين الباطل .
? أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ندبنا أن نسأل الله كل شأن من شؤوننا فكيف نلتفت إلى غيره في أشد حوائجنا وشدائدنا ونلجأ إلى سواه .
التوسل بالذات أم بالدعاء ؟
وقد خالف الموحدون المشركين بتفريقهم بين التوسل بذوات الصالحين وبين التوسل بدعائهم ، فتركوا التوسل بذات أفضل الصالحين وسيد المرسلين محمد - صلى الله عليه وسلم - بعد موته وتوسلوا بدعاء غيره من الأحياء ، ولهم في ذلك سلف كتوسل عمر بالعباس ، وتوسل معاوية بالأسود بن يزيد [1] ، وحدث ذلك أمام جمع غفير من الصحابة فكان هذا إجماعًا منهم على صحة الفعل. وهذا الترك سنة ، وعدم الترك بدعة مخالفة لما تركه خير القرون ، وسلوك لغير سبيل المؤمنين . { وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا } . فلابد من الرجوع إلى المعنى الشرعي للفظ التوسل من القرآن والسنة وفهم سلف الأمة .
ولا اعتبار للخلاف الذي وقع في التوسل بعدهم وبعد قول عمر ( كنا نتوسل بنبيك ) الذي قاله أمام جموع الصحابة . وقد جعل مؤلفو الحديث كالبخاري هذه الأحاديث تحت باب ( سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا ) ولم يجعلها تحت باب التبرك بقبور الصالحين . إذ لا يوجد ولله الحمد مثل هذا الباب في كتب الحديث المعتبرة .
التوسل في اللغة
قال في القاموس في مادة (وسل) وسل إلى الله تعالى توسلًا: أي عمل عملًا تقرب به إليه". وفي المصباح ًالمنير"ووسل إلى الله تعالى توسيلًا: أي عمل عملًا تقرب به إليه". و"توسل إلى ربه وسيلة: أي تقرب إلى الله بعمل"."
وفي الصحاح للجوهري"توسل إليه بوسيلة: أي تقرب إليه بعمل".
والتوسل إلي الله معناه اتخاذ سبب يزيد العبد قربة من الله . وفي ذلك آيتان من كتاب الله:
? { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ } [ المائدة 35 ] ، عن ابن عباس والسدي وقتادة"أي تقرّبوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه"قال ابن كثير"وهذا الذي قاله هؤلاء"
(1) حسن الحافظ إسناده في التلخيص 2 / 101 والإصابة 6/ 698 .