قلت: ونحن نلتزم ما التزمه السلف ومن هنا وانطلاقًا من قوله { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ } نقول: هل كان هذا سبيل المؤمنين من الصحابة فيما بينهم ؟ هل ثبت تبرك عمر بأبي بكر ، أو هل تبرك علي بابن مسعود ؟
ولا أتوقع أن يعتقد أحد أن البدوي والرفاعي والجيلاني أكثر بركة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
قال الشاطبي"فعلى هذا المأخذ لا يصح لمن بعده: الاقتداء به - صلى الله عليه وسلم - في التبرك ، ومن اقتدى به كان إقتداؤه بدعة ، كما كان الإقتداء به في الزيادة على أربع نسوة بدعة" (الاعتصام 2/9 ) .
ولقد زل كثير من العلماء في التوسع بالتبرك ولم يقف عند حدوده وقاس على النبي - صلى الله عليه وسلم - غيره وهو قياس مع الفارق .
وقال الحافظ ابن رجب"وكذلك التبرك بالآثار فإنما كان يفعله الصحابة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم ولا يفعله التابعون مع الصحابة ، مع علو قدرهم فدل على أن هذا لا يفعل إلا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل التبرك بوضوئه وفضلاته وشعره وشرب فضل شرابه وطعامه".
? قال"فهذه الأشياء فتنة للمعظِّم والمعظَّم لما يُخشى عليه من الغلو المدخل في البدعة ، وربما يترقى إلى نوع من الشرك" [1] .
ولكن شد من عضد هذه البدعة ما وقع من بعض الفقهاء من تسويغها وحشد الأدلة التي لا يميز العامي صحتها من ضعفها . ومن هنا أقول: وإن كنا نعتبر التمسح بالقبور والاستغاثة بالأموات شركًا إلا أن الحكم على معين من العوام بالشرك من الصعوبة بمكان بسب تمسك بعض الفقهاء بذلك وإيراد الأدلة عليه بما يجعل الأمر ملتبسًا على العوام . ومن هنا فلا تناقض بين هذا الموقف وبين قولنا: هذا العمل شرك .
وهذا البلاء الذي أنكره كثير من العلماء قد عمت به البلوى وطمت كما صرح السيوطي [2] .
ولكن سوغه بعض المتأخرين وسكت عنه آخرون فصار سنة حكم العوام على منكرها بأنه مبتدع مخالف يخوض فيما سكت عنه أهل العلم . والقلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن .
(1) - الحكم الجديرة بالإذاعة ص 55 .
(2) - حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة 1 / 139 ط: الحلبي .