فإذا كان اتخاذ الشجرة لتعليق الأسلحة تبركًا: اعتبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تأليهًا لغير الله مشابهًا لقول بني إسرائيل ، مع أن الصحابة ما طلبوا ذات الأنواط ليعبدوها ولا ليسألوها مع الله ، أليس تحريم شرك القبور من باب أولى حين يعتقد الأحياء أن الأموات متصرفون في قبورهم وأن قبورهم هي الترياق المجرب ؟ وإذا كانت الفتنة تحصل في شجرة فما بالك في قبر يعتقد الجهال أن صاحبه يأكل ويشرب فيه بل يخرج منه ليغيث البشر ويقضي حوائجهم ؟
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن اتخاذ القبور مساجد ويصف الذين اتخذوا قبور أنبيائهم وصلحائهم مساجد بأنهم شرار الخلق عند الله ، قاله إنذارًا لأمته لا لمجرد الحكاية عن قوم هلكوا وكفروا ، وجاء الإنذار الثاني مباشرة لهذه الأمة أنه سيكون فيها من يلتحق بشرار أولئك فقال"لا تقوم الساعة حتى يلحق أقوام من أمتي بالمشركين ويعبدون الأوثان"لا سيما وأن أصل الأوثان القبور.
قال الحافظ"وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح لهذه الأصنام ، ثم تبعهم مَن بعدهم على ذلك"وذكر أنهم كانوا يتبركون بدعاء سواع وغيره من الصالحين . فلما مات منهم أحد مثَّلوا صورته وتمسحوا بها . فعبدوها بتدريج الشيطان لهم [1] .
فهل يُعقل أن ينهى نبينا - صلى الله عليه وسلم - عن التبرك بالشجرة ويشبّه قول من قال (اجعل لنا ذات أنواط) بقول اليهود ( اجعل لنا إلهًا ) ثم يجيز التبرك بالقبور ؟
وبناء على هذا الحديث فنحن نسمي استغاثتكم بأصحاب القبور عبادة وتأليهًا لها من دون الله . قلتم والذي نفسي بيده ما كان يقوله قوم نوح لأصنامهم: مدد يا ودّ ، مدد يا سواع ، مدد يا يغوث ، مدد يا يعوق ، مدد يا نسر .
الإسلام يهتم بسد ذرائع الشرك
وبهذا تعلم أن أصل الشرك سببه التبرك بالقبور، ولهذا كان - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن أن يُجصّص القبر وأن يقعد عليه ( وفي رواية) "وأن يكتب عليه" [2] .
وكان قد نهى أول الأمر عن زيارة القبر ، ثم أذن بعدما بيّن أصل سبب الزيارة"ألا فزوروها فإنها تذكّر الآخرة"ولم يقل فإن بها قضاء الحوائج ، ولا
(1) - فتح الباري 668:8-669.
(2) - رواه مسلم رقم ( 970 ) .