في الدنيا من الجمادات ما يشرع تقبيلها إلا الحجر الأسود ، وقد ثبت في الصحيحين أن عمر رضي الله عنه قال"والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبلك ما قبلتك"ولهذا لا يسن باتفاق الأئمة أن يقبل الرجل أو يستلم ركني البيت ولا مقام إبراهيم ولا صخرة بيت المقدس ولا قبر أحد من الأنبياء والصالحين"فهذه هي الزيارة البدعية وهي من جنس دين النصارى وهو أن يكون قصد الزائر أن يستجاب دعاؤه عند القبر أو أن يدعو الميت أو يقسم به على الله في طلب حاجاته وتفريج كرباته ، فهذه من البدع التي لم يشرعها النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا فعلها أصحابه".
قال"وأما زيارة القبور المشروعة فهو أن يسلم على الميت ويدعو له بمنزلة الصلاة على جنازته كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا سلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين ..." [1] .
لم يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - لقصد الدعاء ، وإنما كانوا يسلمون على النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه ويمضون . وهذا المحفوظ عن مالك فيما ذكره إسماعيل بن إسحاق في"المبسوط"قال"لا أرى أن يقف عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن يسلم ويمضى" [2] .
وهذا لا يعني تحريم زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما تحريم السفر من أجله تمسكًا بالحديث . ويجب التفريق بين مجرد زيارة القبر وبين شد الرحال خصيصًا إليه كما يفعله الشيعة .
وأما أن يُقصد بالزيارة سؤال الميت أو الاستمداد الروحاني من سلسلة المشايخ كما يزعم الصوفيون من نقشبنديين وغيرهم كأن يتلقوا البيعة من مشايخهم الأموات عند قبورهم ويحدث الاتصال الروحاني بين قلب الزائر وبين قلب الميت فهذا لم يكن فعل السلف . وإنما الثابت عنهم ترك ذلك والزجر عنه. فقد توسل عمر بدعاء العباس لما مات رسول الله صلى - صلى الله عليه وسلم - . ثم ما يدريهم صلاح الميت وولايته فقد قال إمام الصوفية في زمانه عبد الوهاب الشعراني"كم من قبر يزار وصاحبه في النار".
(1) - كتاب الزيارة 81-88 .
(2) - وقد اعترف الحبشي بمقولة مالك في كتابه"المقالات السنية ص 151"نقلا عن المرتضى الزبيدي ولم يشك في صحة نسبتها إليه.