الشرك باسم التوحيد
يدسون السم في الدسم
أحذر الذين يضعون السم في الدسم: يسمون الشرك والاستغاثة بغير الله توسلا ، قد بدلوا اللغة كما بدلوا الشريعة . يستعملون ألفاظًا شرعية ويجعلونها طعما ، ويختارون لها معاني غير شرعية لتقريب شركهم إلى العوام ، فيستسيغونها ويألفونها ولا ينفرون منها ، وهم يرجون أن لا يكشف الناس هذه الحقيقة وهذا التلبيس فسحقًا لمن ورث اليهود في تلبيس الحق بالباطل .
لذا كان من الواجب الاعتناء بالألفاظ الشرعية ومعرفة معانيها وما أراد الشارع منها لكل من يجاهد هؤلاء بل لكل مسلم ، وذلك حتى لا تختلط المفاهيم ويتمكن المبطلون من التلبيس ، الذين ضيقوا معنى العبادة حتى صار مفهومها قاصرًا على السجود ، وأفرغوا من معانيها: الدعاء والاستغاثة والنذر [1] والذبح.
وهم وإن زعموا أن استغاثتهم توسلا فليس بأمانيهم: إذ تبديل الألفاظ لا يغير من الحقيقة شيئا فإن العبرة بالحقائق لا بالتسميات ، كما أن الحقائق تتغير بتغير أسمائها ، فالحكم يدور مع الحقيقة وجودًا وعدمًا .
إنهم يتعلقون بالأسماء ويغيرون حقائق النصوص ، قد خالفوا المشركين في التسمية ووافقوهم في الحقيقة ، كما عبد المشركون الأوائل من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وقالوا { هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ } فسموا شركهم (شفاعة) ولم يرتض الله هذه التسمية بل سماها شركًا . ثم جاء بعدهم من لم يعرف حقيقة جاهليتهم ، فنحا نحوهم وسمى- مثلهم- الشرك توسلًا وشفاعة .
الاستغاثة غير التوسل
الاستغاثة ليست بمعنى التوسل لما يلي:
1)أن السلف ما فهموا التوسل والاستغاثة بمعنى واحد . ولو فهموا ما فهمه السبكي وغيره لاستغاثوا لكنهم لم يفعلوا .
2)أن السلف تركوا التوسل به - صلى الله عليه وسلم - بعد موته بالإجماع كما في قصة القحط عن عمر حيث قال"اللهم كنا إذا أجدبنا سألناك بنبيك" [2] . فإذا تركوا التوسل به بعد موته - صلى الله عليه وسلم - فكيف يعقل أن يستغيثوا به بعد موته ؟
(1) - قال محمد علاء الدين الحصكفي فيمن نذر لغير الله"واعلم أن النذر الذي يقع للأموات من أكثر العوام وما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت ونحوها إلى ضرائح الأولياء الكرام تقربا إليهم هو بالإجماع باطل وحرام" ( رد المحتار مع حاشية ابن عابدين 2 / 439 ) . قال بن عابدين شارحا هذا النص"قوله ( باطل وحرام ) لوجوه منها: أنه نذر لمخلوق . والنذر لمخلوق لا يجوز لأنه عبادة والعبادة لا تكون لمخلوق . ومنها أن المنذور له ميت والميت لا يملك . . ." ( حاشية بن عابدين على رد المحتار 2 / 440 - 449 )
(2) - رواه البخاري في كتاب الاستسقاء .