فهرس الكتاب
والعجيب أن الأشاعرة يجعلون هذا الباطل أحد طريقي أهل السنة في تنزيه الله (التأويل والتفويض) ويجيزون لأتباعهم أن يختاروا أيًا من الطريقين شاءوا: إما التأويل وإما التفويض . حتى قال اللقاني في جوهرة التوحيد [1] :
وكل وصفٍٍ أوهَمَ التشبيها أوِلّهُ أو فوض ورُم تنزيها
القشيرى يطعن في المفوضة
ولما قال والد الجويني أن الحروف المقطعة من قبيل الصفات ورجح التفويض زاعمًا أنه طريق السلف [2] .
رد عليه القشيري في التذكرة الشرقية قائلًا:
"وكيف يسوغ لقائل أن يقول في كتاب الله ما لا سبيل لمخلوق إلى معرفته ولا يعلم تأويله إلا الله ؟ أليس هذا من أعظم القدح في النبوات وأن النبى - صلى الله عليه وسلم - ما عرف تأويل ما ورد في صفات الله تعالى ودعا الخلق إلى علم ما لا يعلم [3] ؟ أليس الله يقول بلسان عربي مبين ؟ فإذن: على زعمهم يجب أن يقولوا كذب حيث قال { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ } إذ لم يكن معلومًا عندهم ، وإلا: فأين هذا البيان ؟"
وإذا كان بلغة العرب فكيف يدعي أنه مما لا تعلمه العرب"؟"
أضاف"ونسبة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أنه دعا إلى رب موصوف بصفات لا تعقل: أمر عظيم لا يتخيله مسلم فان الجهل بالصفات يؤدى إلى الجهل بالموصوف ، وقول من يقول: استواؤه صفة ذاتية لا يعقل معناها واليد صفة ذاتية لا يعقل معناها ، والقدم صفة ذاتية لا يعقل معناها تمويه ضمنه تكييف وتشبيه ودعاء إلى الجهل ... وإن قال الخصم بأن هذه الظواهر لا معنى لها أصلًا فهو حكم بأنها ملغاة وما كان في إبلاغها إلينا فائدة وهي هدر. وهذا محال ... وهذا مخالف لمذهب السلف القائلين بإمرارها على ظواهرها [4] ورجح النووي ذلك فقال"يبعد أن يخاطب الله عباده بما لا سبيل إلى معرفته" [5] ."
? وألزم الرازي المفوض بأحد أمرين:
-إما أن يقطع بتنزيه الله عن المكان والجهة فقد قطع بأنه ليس مراد الله من الاستواء الجلوس . وهذا هو التأويل .
-وإما أن لا يقطع بتنزيه الله عن المكان والجهة بل بقي شاكًا فيه فهو جاهل بالله تعالى" [6] . وبهذا يكون الرازي قد أفصح عن حقيقة التفويض ولوازمه الفاسدة وكشف قناعه ."
? وطعن أبو حيان النحوي في التفويض ورجح التأويل عليه .
ونقل قول ابن عباس عن أيات الصفات بأن"هذا من المكتوم الذي لا يفسر"وكذلك نقل قول الشعبي وسعيد بن المسيب والثوري"نؤمن بها ونقر كما نصّتْ ، ولا نعيّن تفسيرها ولا يسبق النظر فيها". ثم وصف هذين القولين بأنهما قول من لم يمعن النظر في لسان العرب"."
ونسب إلى جماهير المسلمين أن الصفات تفسر على قوانين اللغة ومجازات الاستعارة . فما صح في العقل نسبته إليه [أي إلى الله] ، نسبناه ، وما استحال أولناه بما يليق به تعالى" [7] . وهذا القول هو الأصل الذي بنى المعتزلة مذهبهم عليه ."
وإذا كان الأمر كذلك فالتفويض ليس أمرًا يجوز للمتأشعر الاختيار بينه وبين التأويل . فالقشيري المؤول ينسب المفوضة الأشاعرة إلى الجهل .
(1) - جوهرة التوحيد ص 91 وهو كتاب مقرر في الأزهر في تدريس مادة العقيدة.
(2) - إتحاف السادة المتقين 2/ 110.
(3) - قال جابر بن عبد الله في حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -"ورسول الله بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن ، وهو يعرف تأويله" (مسلم رقم 147 ) .
(4) - إتحاف السادة المتقين 2 / 110 - 111 صريح البيان 35 ط: مجلدة .
(5) - شرح مسلم للنووي 16 / 218 .
(6) التفسير الكبير للرازي 22/6 .
(7) انظر تفسير البحر المحيط 1/121 و 2/124 و 3/524 .