فهرس الكتاب
ثم يأتي متناقض معاصر وهو الحبشي فيناقض قول الرازي ويزعم بأن التأويل التفصيلي كان طريقة السلف [صريح البيان 38 الطبعة الرابعة التي زعموا أنها الأولى] .
وهم يفرضون على المسلم أن يختار واحدًا من تناقضهم:
إما أن نردّ ما وصف الله به نفسه بتجاهل معاني صفاته.
أو نردّ ما وصف به نفسه باختلاق معان بعيدة عن اللفظ تصرفنا عن المعنى المراد لله. فإذا رفضنا نصير عندهم مشبهة مجسمة حشوية.
فأعجب لفريق التأويل من الأشاعرة والماتريدية كيف يوجبون علينا التأويل بينما هم مختلفون مع فريق التفويض من الأشاعرة: هل يؤولون أم يفوضون؟ وكان حريًا بهم أن ينهوا هذا الخلاف بينهم قبل أن يفوضوا علينا شيئًا لم يتفقوا عليه فيما بينهم!
والناس في التفويض على اتجاهين:
ـ منهم من يقول: لا نعلم معاني صفات الله كما نسبه كثيرون إلى السلف، وهذا باطل، فقد قال الترمذي في سننه: « تأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم وقالوا: إن معنى اليد القوة » [سنن الترمذي 3/42 تعليقًا على حديث رقم (662) ] . فهذا نص صريح على أن أهل العلم كانوا يفسرون آيات وأحاديث الصفات.
ـ بل قد رد أحمد على تأويلات الجهمية التي يحمل الأشاعرة العديد منها اليوم كما في كتابه «الرد على الجهمية» الذي أثبت الحافظ ابن حجر نسبته إليه قال فيه: « فيما تأولته من القرآن على غير تأويله » [انظر فتح الباري 13/493] فأثبت لأهل السنة تأويلًا وأثبت للجهمية تأويلات مخالفة لهم.
ـ ويحتجون بقوله تعالى: { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا? } [آل عمران 7] . ولكن ليس من الرسوخ في العلم رفض معاني الصفات الثابت تفسيرها عن السلف مما تمتلئ به كتب التفسير كالطبري.
ـ ومنهم من يقول: التفويض المطلوب إنما هو تفويض كيفية الصفة وليس العلم بمعناها. فقد قال أبو عبيد القاسم بن سلام: « إذا قيل كيف يضحك؟ قلنا: لا نفسر هذا، ولا سمعنا أحدًا يفسره » [سير أعلام النبلاء 10/505 التمهيد 7/149] . لاحظ كيف تركز السؤال عن تفسير الكيفية.
وفي المراد بنفي التفسير فائدة كبيرة، فإن الله أنزل هذا القرآن للناس جميعًا وليس لأهل الجدل الذين أضلهم الله على علم. فوصف نفسه بصفات بينة واضحة المعنى والتفسير، ولا يحتاج معها إلى الخوض والجدل واستخراج المعاني الخفية ولا يلتبس فيها الحق بالباطل، وإنما يزعم الضالون أن ما أنزله الله من الصفات سبب كل التباس ومشكل، وإلا فلماذا يصف نفسه بأنه يستوي وينزل ويأتي ويقبض الأرض ويخلق آدم ويكتب التوراة بيده ويضحك ويعجب!!
وكذلك قول السلف الصالح: « أمرّوها كما جاءت بلا كيف » وكما ذكر الحافظ ابن حجر عن طائفة من السلف والتابعين أنهم كانوا لا يشبهون ويروون هذه الأحاديث ولا يقولون كيف [فتح الباري 13: 407] . فهذه النصوص ظاهرة في النهي عن الخوض في الكيفية على النحو الذي هلك فيه أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة والأشعرية.
قال القرطبي: « ولم ينكر أحد من السلف استواءه على عرشه وإنما جهلوا كيفية الاستواء » [تفسير القرطبي ج 17 - 18 ص 215 - 216] أي أن العقول لا تدرك الكيفية، فبهذا تدرك أن قول السلف غير معقول بمعنى مجهول كما بينتها الروايات الأخرى.
فالذين روي عنهم أنهم قالوا: أمروها كما جاءت من غير كيف. ثبت عنهم تفسير نصوص الصفات، مما يؤكد أن هذا القول لم يسلم هو الآخر من عبث الأشاعرة أيضًا فأوجدوا له تأويلًا باطلًا.
وقول السلف: « أمرّوها كما جاءت » يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، وتحذير الناس من التماس معان مخالفة للمعنى المتبادر من اللفظ، فإنها جاءت ألفاظًا دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمرّوا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة » [مجموع فتاوى ابن تيمية 15/41] .