فهرس الكتاب

الصفحة 417 من 1116

2)أن إثبات"الكلام النفسي"لا يُثبت لله صفة الكلام وإنما ينفيها ، فانه يجوز حينئذ وصف الأبكم بأنه متكلم لأنه قادر على الكلام النفسي مع عجزه عن الكلام الحقيقي . فإن من لم يكن قادرًا على الكلام فهو الأخرس ، وإذا كان قادرًا ولم يتكلم فهو الساكت .

الباقلاني يشبه ربه بالأبكم

ومن العجب أن نرى الباقلاني يحاول تقرير الكلام النفسي مستدلا بالأخرس"الذي لا ينطق باللسان ولا يسمع بالصوت وإنما يفهمنا كلامه القائم بنفسه ونفهمه كلامنا القائم بأنفسنا بالإشارة دون نطق اللسان" [1] !

وذلك ليقرب إلى أفهامنا حقيقة الكلام النفسي الذي يعتقده فان حقيقة عقيدته هي هذا المثل الذي ضربه لنا . وهذا وصف مذمة لله تعالى فان من يجتمع فيه الكلام الحقيقي مع الكلام النفسي أكمل ممن يتصف بالكلام النفسي دون الحقيقي.

3)أن الله تعالى فرق بين مراتب تكليمه لرسله . فكلامه لموسى يختلف عن ايحائه لغيره من الأنبياء ، فان الله كلمه من غير واسطة . كما أنه سبحانه يكلم عباده يوم القيامة بلا واسطة ، وهذا ما أكده القشيري من أن الله أفرد موسى"في وقته"بأن أسمعه كلام"نفسه"بغير واسطة وأن مذهب القدرية أن موسى سمع كلامًا من الشجرة فلزمهم أن يقولوا إنه سمع كلام الشجرة" [2] "

4)أنهم يمنعون مثبت الاستواء لله أن يقول: ( الله في السماء بذاته ) لأنه لا يجوز عندهم إطلاق لفظ لم يرد به الشرع ولم يقل به السلف .

أما أن يقولوا هم: ( تكلم بكلام نفساني لا حقيقي ) فهذا مشروع وإن لم يقل به السلف !!!

حقيقة الكلام النفسي هو: صِفَتَيْ العِلم والإرادة

إذا كان الكلام نفسيًا بلا حرف ولا صوت ، وإنما هو شيء قديم فما الفرق بينه وبين الإرادة والعلم ؟ ولهذا فإن المنقب عن عقيدة الأشعرية والماتريدية يجد في النهاية أنهم حينما يتكلمون عن كلام الله تعالى إنما يتكلمون عن صفة الإرادة والعلم . لأنهم لا يثبتون بالفعل المضارع ولا بالمستقبل { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } ولا يثبتون لله النداء ولا الصوت . وإنما يثبتون كلامًا نفسيًا .

فإن إفهام المعنى القديم بالنظم المخلوق يشبه امتزاج اللاهوت بالناسوت الذي قالته النصارى في عيسى بن مريم . فإنه مخلوق ويجعلونه نفس الكلمة .

ولذا شابهت هذه التعقيدة تعقيدة القائلين بالتثليث حيث إنهم يثبتون ما لا يتصورون ، ولا يبينون ، ويكتفون بزجر السائل بأن هذه المسألة فوق فهومنا !

ولو كان كلام الله معنى مجردًا في النفس لم يعد لموسى ميزة على غيره في التكليم . فان إفهام المعنى المجرد يشترك فيه الجميع . قال تعالى { وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا } والتكليم هو المشافهة بالكلام .

قال الحافظ: قال الأئمة هذه الآية أقوى ما ورد في الرد على المعتزلة . وقال النحاس: إن الفعل إذا أُكِّد بالمصدر لم يكن مجازًا ووجب أن يُحمل على الحقيقة التي تُعقل [3] واحتج بها الإمام أحمد على الجهمية في مناظرته أمام المأمون ليؤكد ميزة موسى على غيره في سماع كلام الله الحقيقي [4] .

لكن الماتريدية وغيرهم يقولون (فهم موسى كلام الله) ولا يقولون (سمع كلام الله) لأن كلام الله لا يُسمع عندهم [5] . وهم في ذلك مخالفون لصريح قول أبي حنيفة القائل"وسمع موسى عليه السلام كلام"

(1) - الانصاف 159 وهذا يُحمل على ما كان قبل توبته .

(2) - طبقات السبكي 3 / 417 وانظر شكاية أهل السنة بحكاية ما لهم من المحنة ص 39 ضمن الرسائل القشيرية تحقيق د. فير محمد حسن .

(3) فتح الباري 479:13 الفقه الأكبر بشرح القاري 26.

(4) رواه عنه حنبل في المحنة 63.

(5) التوحيد للماتريدي 59 الدليل القويم 190.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت