فهرس الكتاب
ا) إن القول بالكلام النفساني قول لا يستند إلى أي دليل من كتاب ولا سنة ولا حتى اللغة تشهد بذلك فإن الله أطلق لنفسه صفة الكلام ولم يقيدها بالكلام النفسي دون الكلام الحقيقي وإذا أطلق الكلام فإنه يشمل اللفظ والمعنى ولا يجوز تقييده إلا بقرينة تدل على ذلك ، قال ابن فارس في معنى الكلام"يدل على نطق مُفهِم" [1] .
ولا يسمى الكلام كلامًا ما دام قائمًا بالنفس .
-وفي الحديث القدسي"أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني فان ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم. [2] "
فههنا نوعان من الكلام أحدهما في النفس وثانيهما التكلم مع الملائكة. والكلام الثاني غير الكلام الأول .
-وقال تعالى { وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ } [ المجادلة ] وهذا التقييد دل عليه قوله تعالى { فِي أَنفُسِهِمْ } .
-وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"أن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تكلم به" [3] . وهذا الحديث ظاهر في إخراج حديث النفس عن مطلق الكلام .
وقال عمر رضي الله عنه"زورت في نفسي كلامًا"والتزوير إصلاح الكلام وتهيئته كما قال الأصمعي [4] . فلو كان الكلام عند الإطلاق يدل على المعنى فقط لما قيده بقوله"في نفسي".
أما إذا أطلق الكلام من غير أن يقترن به ما يدل على التقييد فيمتنع حينئذ تقييده. كقول النبي - صلى الله عليه وسلم -"أن الله يحدث لنبيه ما شاء ، وأن مما أحدث لنبيه أن لا تكلموا في الصلاة" [5] ولا يقول عاقل إن الكلام الممنوع في الصلاة هو الكلام النفسي ، لأن المتبادر عند إطلاق الكلام: الكلام الحقيقي لا النفسي .
هذا ما تقرره اللغة ويقره عرف التخاطب ، فإن أهل العرف يسمون الناطق متكلمًا وما عداه ساكتًا أو أخرس .
من طرائف المقدسي
ولذلك فإنه لما كان عبد الرحمن بن عساكر يمر بالموفق ابن قدامة المقدسي فيسلم عليه لا يرد الموفق عليه السلام فسئل عن سبب امتناعه عن ذلك فقال: إنه يقول بالكلام النفسي وأنا أرد عليه في نفسي" [6] ."
فالكلمة إذا أطلقت: أريد بها اللفظ والمعنى وليس المعنى دون اللفظ . ومن يقول: أريد بها المعنى دون اللفظ كان محرفا لحقيقة معنى ( الكلمة ) . قال النجم الطوفي"إن الكلام مشتق من"الكَلْم"لتأثيره في نفْسِ السامع ، والمؤثر في النفس إنما هو العبارات لا المعاني النفسية ."
(1) معجم مقاييس اللغة 5/131 .
(2) البخاري 13/328 ومسلم رقم (2675) .
(3) البخاري 11/478 ومسلم (127) .
(4) البخاري (6830) وفتح الباري 12/145 وانظر غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام 3/242 .
(5) أخرجه البخاري تعليقا 13/496 وأحمد 1/377 وأبو داود (924) .
(6) طبقات السبكي 8/184 محققة.