فهرس الكتاب
مرة أخرى يتناقضون
ومن التناقض ما حكاه السبكي من أن القول بأن الكلام النفسي يُسمَع: هو أحد قولي الأشعري مرة قال يُسمع ومرة قال: لا يُسمع [1] . وبالطبع لا يقال إن المعنى النفسي يُسمع !.
حين يتصوف الأشاعرة يثبتون الحرف والصوت
ومع قول القشيري إن الله أفرد موسى في وقته بأن أسمعه كلام"نفسه"بغير واسطة ، (بشهادة السبكي) .
ولا يكاد صوفي- أشعريًا أو ماتريديًا- إذا تصوف - إلا وهو يُخرج من فمه ما يثبت التكليم بحرف وصوت.
فإن هذا الشاهد السبكي لا يتقيد بالمذهب الأشعري حين تهوى نفسه حكاية صوفية، فقد حكى قصة المكالمة المباشرة التي جرت بين الله وبين أبي الحسن الخلَعي قال"غشيتني حُمَّى، فهتف بي هاتف ناداني باسمي. فقلت لبيكَ داعي الله، فقال: لا بل قل: لبيك ربي الله . ما تجد من الألم؟ فقلت: إلهي وسيدي ومولاي: قد أخذَتْ مني الحمى ما قد علمت. فقال: قد أمرتها أن تقلع عنك" [2] .
-ولهذا اعترف السرهندي النقشبندي الماتريدي أن كلمات كبار المشايخ تثبت لله الكلام والمكالمة. وها هو صاحب الرحمة الهابطة على هامش مكتوبات السرهندى يحكي أن ابن عربي كان يقول: إن لله لسانا يتكلم به وأذنًا يسمع بها [3] .
5)أن صفة النداء لله تُبطل هذا الكلام النفسي الذي أتوا به: قال تعالى {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا} وقال { وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ } ولا يتصور أن يكون الله نادى موسى وإبراهيم وآدم في نفسه. وهذا ما دعا الإمام الطحاوى إلى التأكيد: أن كلام الله"قولٌ على الحقيقة" [4] . لكن الحبشي [5] مسخ كلام الطحاوي وزعم أنه قصد بذلك الكلام النفسي.
هل كلام الله معانٍ من غير صيغة ؟
حقيقة معتقد الأشاعرة في الكلام هو الإرادة والعلم
وزعم الأشاعرة أن الكلام هو الخبر والأمر والنهي. وقد أجاب ابن تيمية على ذلك بأن"الخبر بدون صيغة ليس في الحقيقة إلا العلم الذي يقوم بالنفس. وأن الأمر والنهي الذي في النفس ليس في الحقيقة إلا الإرادة التي تقوم بالنفس. فهذا يؤدي إلى إنكار صفة الكلام لله لأن ما أثبتموه من الكلام النفسي لم يكن غير العلم والإرادة وليس الكلام."
والفرق واضح بين إرادة الله للكلام وبين التكلم في قوله تعالى { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} و (إذا) هنا ظرفية لما يستقبل من الزمان تبين وقوع الكلام متأخرًا عن حصول الإرادة. وإلا فإذا كان الكلام نفسيًا بلا حرف ولا صوت وإنما هو شيء قديم فما الفرق بينه وبين الإرادة والعلم؟
(1) طبقات السبكي 10/294.
(2) طبقات السبكي 5/254- 255.
(3) مكتوبات الإمام السرهندي 291 وانظر هامش المكتوبات 97 و 99.
(4) العقيدة الطحاوية 24.
(5) إظهار العقيدة السنية بشرح العقيدة الطحاوية 77.