فهرس الكتاب

الصفحة 420 من 1116

فاضطر بعدها الأشاعرة إلى القول بأن الخبر غير العلم مستدلين بأن الإنسان قد يحكم بما لا يعتقده ولا يظنه . فرد عليهم ابن تيميه بإيراد هذه الآيات التي وصف الله فيها كلامه المنزل على نبيه - صلى الله عليه وسلم - بأنه أنزله بعلمه فقال { فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ } [ هود 14 ] وقال { فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ } [ آل عمران 61 ] .

واضطروا إلى القول بأن الأمر والنهي غير الإرادة مستدلين بأن الله قد يأمر بما لا يريد وينهى عما يريد . وهذا غاية وشر ما أوصل إليه اعتقادهم الباطل أن ينتهوا إلى أن الله قد يخبر بخلاف ما يعلم ويأمر بخلاف ما يريد .

قال تعالى { وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ } زعم ابن كلاب شيخ الأشعري أن معناها ( حتى يفهم كلام الله ) [1] والفهم لا يحصل إلا بعد السماع: فموسى سمع أولا ففهم معنى ما سمع ثانيًا .

وفي الحديث"ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان" [2] فهل معنى ذلك أن كل واحد منا سيفهم ما في نفس الرب من غير أن يسمع كلامه كما يزعمون في جبريل ؟

وقال - صلى الله عليه وسلم - لجابر بن عبد الله يوم استُشهد أبوه"إن الله كلم أباك من غير حجاب"وكيف يكلم الله أبا جابر بن عبد الله ، وما ميزة"من غير حجاب"؟!!.

إن هذا الادعاء المجرد من الدليل يجعلكم تلتحقون بمن قال الله فيهم {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ } [ الفتح 15 ] .

كلام الله عندهم من نظم مخلوقاته

وإذا لم يكن هذا القرآن كلام الله ( حقيقة قولا ) على شدد عليه الطحاوي رحمه الله [3] وإنما مجازا كما زعم المخالفون له: فمن الذي نظم حروفه وكلماته ؟

ونترك الجواب على هذا السؤال للبيجوري والأمير في شرحهما على جوهرة التوحيد حيث ذكرا أن أهل السنة ( يقصد الأشاعرة ) على خلاف في ذلك:

فبعضهم يرى أن ألفاظه من عند جبريل .

والبعض الآخر يرى ألفاظه من عند محمد . وهو قول الأمير في شرحه على الجوهرة فهؤلاء وافقوا قول من قال {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} [المدثر 25 ] .

ورجح البيجوري أن جبريل عبَّر عنه بألفاظ من عنده [4] .

وهذا الرأي يمثله الباقلاني الذي صرح أن"النظم العربي في القرآن هو قول جبريل لقوله تعالى { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } وهو الذي تلاه باللغة العربية" [5] فصار القران عندهم كلام جبريل حقيقة كلام الله مجافي إ!

وهذا من أبطل الباطل ، فإن جبريل رسول { وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ } وليس عليه الترجمة من كلام نفسي إلى كلام بحرف وصوت ! وهو قد نزل به إلى محمد ولم يُنشئ ألفاظه إلى محمد كما قال

(1) - مقالات الاسلاميين 585.

(2) - أخرجه البخاري (7512) ومسلم (1016) .

(3) - أراد بها التأكيد على أن الله تكلم حقيقة.

(4) - شرح جوهرة التوحيد 73.

(5) - الإنصاف 147.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت