فهرس الكتاب
ومن ذلك قوله تعالى { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } .
فقوله { إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } دليل على ثبوت السمع والبصر المطلَقيْن لله. وكل واحد نوع لأفراده. وقوله { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ } وقوله { وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا } دليل على تجدد أفراد ذلك النوع ، وأن هذا السمع الخاص فرد من ذلك السمع المطلق ، وإلا فهل يعقل أن الله تعالى سمع قول تلك المرأة وسمع محاورتها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأزل قبل أن يخلقهما وقبل أن يخلق كلامهما وأصواتهما؟ فهذا يدل على أن أفعال الله صفات له قائمة تحت مشيئته واختياره ، وأن نوعها قديم وآحادها تتجدد [1] .
? وهذا يبطل تهور الحبشي في تكفير ابن تيمية في مسألة الحدث في صفات الله وزعمه أنها بدعة لم يقل بها أحد. فإن أهل السنة لا يسلّمون للاصطلاح الكلامي القائل بأن كل محدث مخلوق. بل قد قال تعالى { مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ } [الأنبياء2] . وقال البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } وقوله {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} بأن حدَثه سبحانه لا يشبه حدَث المخلوقين لقوله تعالى { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } وقال ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم -"إن الله عز وجل يُحدث من أمره ما يشاء" [2] . ونقل الحافظ عن الكرماني تقسيم الصفات إلى ثلاثة أنواع آخرها صفات حادثة مثل الخلق والرزق قال"ولا يلزم من حدوثها تغير في ذات الله" [3] .
? والله حين أنزل هذه الآية كان يعلم بلا شك أن عصابة من المتكلمين سيصطلحون فيما بينهم على قاعدة باطلة وهي أن كل محدث مخلوق. ولو كانت حقًا لما قال بخلافها. وهذه حجة دامغة.
ففعل الله للمخلوقات حادث ، ولا يمكن حدوث المخلوق بغير سبب حادث. والله تعالى ذكر أفعاله شيئًا بعد شيء ، فهو خلق السموات والأرض ثم استوى على العرش ثم خلق الإنسان ثم صوره ثم قال للملائكة اسجدوا لآدم.
? ومن يفعل ماشاء متى شاء شيئًا بعد شيء أكمل ممن لا يفعل بمشيئته كالجماد.
ويبطل دعواه أن صفة الله معنى قائم بذات الله تعالى من الأزل إلى الأبد بلا ابتداء ولا انتهاء [4] وهو على حق في الصفات الذاتية دون الصفات الفعلية.
وقد درج كثير من الماتريدية والأشاعرة المتأخرين على اعتقاد أن الصفات كلها تتعلق بالذات فحسب. ونتج عن ذلك اضطراب بين منهجهم وبين الكثير من الصفات الخبرية الفعلية مما اضطرهم إلى التأويل العشوائي.
ولم يرتض الأشعري وابن كلاب وغيرهما كابن عساكر والبيهقي ذلك حتى قال البيهقي بأن"ما كان إثباته من الصفات ورود الخبر به كالاستواء على العرش والإتيان والمجيء والنزول يجب إثباته لورود الخبر به على وجه لا يوجب التشبيه" [5] .
(1) عداء الماتريدية للعقيدة السلفية 1/423 لأخينا الشمس السلفي.
(2) البخاري 4/410 تحقيق عبد الباقي.
(3) فتح الباري 13/497.
(4) إظهار العقيدة الطحاوية 165.
(5) الأسماء والصفات 138.