فهرس الكتاب

الصفحة 434 من 1116

فالأشاعرة المتأخرون كانوا أقرب إلى طريق الماتريدي منه إلى طريق الأشعري والأشاعرة المتقدمين. ولهذا تجد في كلام المنكرين لذلك ما يؤكد تناقضهم. فإن الحبشي نهى أن يقال إن الله رأى العالم في الأزل. قال"لأننا لو قلنا ذلك لاقتضى وجود العالم في الأزل وهو محال ، وحين وجد العالم نقول: بأنه رأى العالم برؤيته الأزلية" [1] .

وهذا تراجع منه عن أزلية الرؤية إلى تحديد زمني لها لئلا يلزم منه أزلية المرئي. فما الفرق بين قوله هذا وبين قولنا إن الله خلق المخلوقات بفعل غير أزلي ، لئلا يلزم منه القول بأزلية المخلوق؟!

بدعة حبشية

وزعم الحبشي أن الله إذا اتصف بصفة تجردت هذه الصفة عن الزمان والمكان. وهذه الضلالة أثر من آثار آرسطو والفلاسفة. ومبطلة لصفات الله كصفة الأول والآخر وقد فسرهما النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء. وأن الله كلم موسى في وقت دون وقت وأنه سيكلم أناسًا يوم القيامة بكلام لا يقوله الآن.

هل الكلام بلسان وشفة دائمًا؟

ومن حججهم أن الكلام لا بد أن يكون بلسان وشفتين وإطباق وانفتاح واصطكاك أجرام وهذا غير جائز على الله. والجواب:

-ماذا عن السموات اللتين قالتا { أَتَيْنَا طَائِعِينَ } هل تكلمتا بلسان وشفتين؟

-وماذا عن الحصى الذي سبَّح بيد النبي - صلى الله عليه وسلم - هل سبّح بلسان وشفتين؟

-وماذا عن الحجر الذي كان يسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - هل كان له لسان وشفتان.

-وماذا عن الجذع الذي سُمع له حنين أكان ذلك باصطكاك أجرام وإطباق.

-وماذا عن الأعضاء التي تنادي اللسان كل يوم تقول له"اتق الله فينا فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا".

-وماذا عن الجلود التي يُنطقها الله يوم القيامة أتنطق بلسان وشفتين ولهوات وأضراس كما يتخيله المعطل بفعل الوسوسة؟

-وماذا عن المذياع اليوم الذي يتكلم بأي لغة تريد سماعها هل يتكلم بلسان وشفتين. فإن قلتم إنما هو ناقل للكلام الذي يبثه من له لسان وشفتان. قلنا وما المانع أن يكون لساني وشفتي ينطقان بكلام الله الذي لا يكون من الله بنفس الطريقة التي أنطق بها بالضرورة ، بل يتكلم به بالكيفية التي تليق به بما لا يشبه كيفية نطق الخلق به؟

كلمة الختام حول مسألة الكلام

ومن كان هذا موقفه من كلام الله: كيف يرزقه الله الخشوع والتدبر والبكاء عند تلاوته للقرآن! بل كيف يرزقهم تعظيم كتابه وهم يؤولونه ويمسخون معاني نصوصه، ولهذا تجد أهل البيئة الأشعرية الصوفية: يخشعون ويبكون عند سماع أنشودة صوفية ما لا يحصل لهم عند سماع كلام الله.

(1) إظهار العقيدة السنية 119.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت