فهرس الكتاب
اعتراف أبى بكر بن فورك أن المتأخرين من الأشاعرة أوّلوا الاستواء بالقهر والغلبة خلافًا لقول إمامهم الأشعري الذي صرّح بأن القهر والغلبة من تأويلات المعتزلة [1] .
فليثبت الحبشي أن التأويل بالقهر من كلام الأشعري وهو الذي بقي يزعم أنه بريء من كل من يخالفه متمثلا بهذا الشعر:
اثنان من يعذلني فيهما فهو على التحقيق منى بري
حب أبى بكر إمام الهدى ثم اعتقادي مذهب الأشعري ..
وهذا القول منه دعوة إلى التقليد الأعمى ويشبهه قول أحد المذهبيين المتعصبين:
حسبي من الخيرات ما أعددته يوم القيامة في رضى الرحمن
دين النبي محمد خير الورى ثم اعتقادي مذهب النعمان [2] .
شبهة: خلق العرش إظهارا لقدرته
متى شاؤوا أجازوا التعليل
وزعم الحبشي أن الله تعالى إنما اتخذ العرش إظهارًا لقدرته أمام الملائكة ليزدادوا خشوعًا وتعظيمًا له [3] .
لو قلتم: خلق الله الجن والإنس ليعبدوه . لصدقناكم لأن الله أبان علة خلقه الجن والإنس. مع أن هذا عندكم تعليل والتعليل عندكم لا يجوز على الله لأن فيه إثبات الحاجة .
ولكن حين تقولون: خلق الله العرش ليزداد الملائكة خشوعا لكذبناكم لأن هذا التعليل هن عندكم لم يبينه الله.
ثم أليس قولكم (ليزدادوا خشوعًا) يعني ليزدادوا إيمانًا ؟ وهل إيمان الملائكة متفاوت بحسب طاعتهم ومعصيتهم ؟
ثم إن هذا قول باطل: إذ ما الذي يظهر لنا من العرش حتى يكون مخلوقًا لإظهار قدرته؟ فالله تعالى قال { أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ 17 وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ 18 وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ } فلم يقل تعالى أفلا ينظرون إلى العرش !
وهذا الإظهار لمن؟ ولم يكن قبل خلق العرش أحد مع الله. بل قد بينا الله حكمته من خلق العرش فقال { وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } [هود 7] .
ولو سألت الحبشي من مِن السلف قال بهذه الرواية ؟ فسيقول: رواه أبو منصور البغدادي . وهذه رواية أشعرية، لا أصل لها رواها البغدادي وليس هو معدودًا من المحدثين، وكيف يكون من المحدثين وقد اشترط لصحة الحديث أن يكون موافقًا للعقل وإلا كان خبرًا مردودًا (أصول الدين 23) . وكتابه (أصول الدين) أحرى أن يسمى (أصول علم الكلام) لو كان الشافعي حيًا لحذر منه كما كان يحذر من حفص الفرد . ثم الاحتكام إلى كتب الأشاعرة عند الخلاف تحكم وليس تحاكمًا .
بل قد قرر الاشاعرة أن كل خبر في العقيدة لا بد أن يتواتر سنده وإلا كان مردودًا . وهذه الرواية المنسوبة إلى علي رضي الله عنه هي"عقيدة"فنشترط عليكم ما اشترطتموه على أنفسكم أن لا ترووا
(1) الأسماء والصفات 2/153.
(2) حكاه السيوطي في (تبييض الصحيفة في مناقب أبي حنيفة 323) .
(3) الدر المفيد في دروس الفقه والتوحيد 56 و 139 نقله عن البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق 321 وهو من أهل الكلام، وأهل الكلام ليسوا من أهل السنة. قال الذهبي في السير (18/521) "له كتب في النظر والعقليات".