فهرس الكتاب

الصفحة 461 من 1116

إنكار العلو مناف للفطرة

فإنكار العلوِّ مناف للفطرة البشرية التي تجعل الناس يتوجهون بالدعاء إليه. قال ابن قتيبة رحمه الله"ولو أن هؤلاء رجعوا إلى فطرهم وما ركبت عليه خلقتهم من معرفة الخالق سبحانه لعلموا أن الله تعالى هو العلي وهو الأعلى وهو بالمكان الرفيع وأن الأيدي ترتفع بالدعاء إليه" [1] .

قال ابن عبد البر تعليقًا على حديث الجارية"ولم يزل المسلمون في كل زمن ومكان إذا همهم أمر وكربهم غم يرفعون وجوههم وأيديهم إلى السماء رغبة إلى الله عز وجل" [2] .

وهذه الحقيقة مربكة لنفاة علو الله. فقد قعد الجويني في مجلس وعظه يورد الأدلة على نفي علو الله، فقال له أبو جعفر الهمداني"أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها: ما قال أحد: يا الله إلا وجد في قلبه ضرورة تطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا؟ هل عندك دواء لدفع هذه الضرورة؟ فصرخ الجويني"حيّرني الهمداني" [3] ."

ولهذا تصدر عن منكري العلو عبارات تتضمن إثبات علو الله، فقد قال أحد الأشاعرة الرفاعيين"كان عز الدين الصياد مكث طيلة حياته لم يرفع طرفه إلى السماء حياءً من الله تعالى" [4] . تُرى هل كان استحياؤه من البركات المخزونة في السماء بزعمهم أم كان من الملائكة الساكنين فيها؟ أم كان حياؤه من الله الذي في السماء؟

ـ وقال السبكي"آخر كلمة تكلم بها أبو محمد المزني أن قبض على لحيته ورفع يده اليمنى إلى السماء" [5] .

ـ وقال الغزالي حاكيًا عن ابتهالات الأولياء"فإذا اجتمعت هممهم وتجردت للضراعة والابتهال قلوبهم وارتفعت إلى الله سبحانه أيديهم وامتدت إليه أعناقهم وشخصت نحو السماء".

وقد تنبه الزبيدي إلى أن في هذا إثباتًا لعلو الله فعلق قائلًا"الذي هو قبلة الدعاء" [6] .

(1) تأويل مختلف الحديث ص 183.

(2) التمهيد 22/81 و7/134.

(3) سير أعلام النبلاء 18/475 والعلو (مختصره ص 276) وقد شك السبكي في صحة نسبة هذه القصة إلى الجويني لأنها تكشف إكراه الجويني وأمثاله فِطَرَهم على ما يخالفها من اعتقاد علو الله وفوقيته.

(4) خزانة الإمداد في سيرة بني الصياد 24 و 36 وهو أشعري وأحد كبار الرفاعية وانظر كتاب"حالة أهل الحقيقة مع الله"للشيخ أحمد الرفاعي 134 - 135 وكتاب"روضة الناظرين"للوتري 90 وقال بمثل ذلك الهيتمي في تطهير الجنان عن التفوه بثلب معاوية بن أبي سفيان ص 2.

(5) طبقات السبكي 3/19 محققة.

(6) إتحاف السادة المتقين 4/453.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت