فهرس الكتاب
هل الشريعة تخدع العوام؟
ولما أحس التفتازاني بانعدام الأدلة الشرعية على نفي العلو وإنما العكس قال:
"فإن قيل: إذا كان الدين الحق نفي الحيز والجهة [يعني نفي علو الله على عرشه وفوقيته] فما بل الكتب السماوية والأحاديث النبوية مشعرة في مواضع لا تحصى بثبوت ذلك من غير أن يقع في موضع واحد تصريح بنفي ذلك؟"
أجاب التفتازاني بأنه"لما كان التنزيه عن الجهة مما تقصر عنه عقول العامة حتى تكاد تجزم بنفي ما ليس في الجهة: كان الأنسب في خطاباتهم والأقرب إلى إصلاحهم والأليق بدعوتهم إلى الحق ما يكون ظاهرًا في التشبيه، وكون الصانع في أشرف الجهات مع تنبيهات دقيقة على التنزيه المطلق عما هو من سمة الحدوث" [1] .
فأقول هؤلاء موافقة لأقوال الباطنيين؟
وكيف يكون هؤلاء ممثلين للسواد الأعظم وقد اعترفوا بأن السواد الأعظم يعتقدون علو الله وأن الله وصف نفسه بصفات التشبيه ليقربهم بالتشبيه إلى التوحيد، وأن الأنبياء جاءت والكتب نزلت على خلاف الحق وجاءت بالذب لمصلحة دعوة العوام؟
يخافون ربهم من فوقهم
أما قوله تعالى {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ} فالذهاب فيه إلى التأويل والمجاز مستحيل، لأن معنى خوف الملائكة من قوة الله وقهره متحقق تحققًا كاملًا في قوله تعالى {يَخَافُونَ رَبَّهُم} دون الحاجة لذكر الظرف {مِّن فَوْقِهِمْ} فتعيّن أن الفوقية هنا فوقية ذات"."
وقال تعالى {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} فماذا يعني الصعود والارتفاع. ولماذا تصعد الملائكة بأعمال العباد إن لم يكن صعودهم بها إلى الله؟ إن هذا الذي جعل الأشاعرة وغيرهم يزعمون أن المقصود بارتفاع الأعمال إنما هو مجاز عن تفاوتها في المراتب ارتفاعًا
(1) شرح المقاصد 2/50.