فهرس الكتاب

الصفحة 509 من 1116

الحبشي يستعير عقل المعتزلة

قال"ويلزم من حديث النزول أن يكون الله فيما بين النصف الثاني من الليل والفجر مستمرًا في النزول والصعود، وذلك أن الليل يختلف باختلاف البلاد، فنصف الليل في بلد هو أول النهار في بلد آخر" [1] .

فتراه هنا يعترض على الحديث بالدليل العقلي على طريقة المعتزلة، مع أنه تناقض في موطن آخر فأبطل دور العقل في الأمور المتعلقة بالآخرة وذلك حين ذكر الإشكال الواقع في حديث"ما من أحد يسلّم عليّ إلا ردّ الله عليّ روحي حتى أردّ عليه السلام"إذ يلزم منه كثرة رجوع روحه إليه لكثرة المسلّمين عليه.

فنقل عن الحافظ ابن حجر حلاّ لهذا الإشكال. قال الحافظ"وقد استشكل ذلك (الحديث) وهو أنه يستلزم استغراق الزمان كله في ذلك لاتصال الصلاة والسلام عليه - صلى الله عليه وسلم - في أقطار الأرض ممن لا يحصى كثرة، وأجيب بأن أمور الآخرة لا تُدرك بالعقل، وأحوال البرزخ أشبه بأحوال الآخرة" [2] .

فإذا كان العقل لا يدرك كيفية رجوع الروح إلى جسد النبي فمن باب أولى أن لا يدرك كيفية نزول الله. ولكن أهل البدع يتناقضون: فتارة يقدّمون العقل على النقل وتارة يقدمون النقل على العقل وتارة يجوّزون عقلًا ما لا يجوز شرعًا وتارة يجوّزون شرعًا ما لا يجوز عقلًا.

وهذا المثال يظهر به ما تعانيه نفوسهم من مرض التشبيه، وحيازتهم لأدواء فاسدة يسمونها التأويل يظنون أن بها شفاءهم.

والحجة الدامغة في ذلك أن أفاضل هذه الأمة رووا هذا الحديث وكتبوه في كتبهم وسئلوا عن معناه فلم يعارضوه بعقولهم ولم يضربوا له مثل السوء الذي ضربتموه، بل المعروف عنهم عدم التعرض لأحاديث الصفات بما يعرض للعقول من وساوس.

ولهذا أجاب الحافظ ابن رجب [3] على من قال"إن ثلث الليل يختلف باختلاف البلدان فلا يمكن أن يكون النزول في وقت معين"فقال رحمه الله"معلوم بالضرورة قبح هذا الاعتراض وأن"

(1) المقالات السنية 82.

(2) المقالات السنية 115.

(3) فضل علم السلف على علم الخلف 134.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت