فهرس الكتاب
الإنكار في مسائل الخلاف
الحبشي يتمسك بالمسائل المختلف فيها ، ويختار المرجوح الشاذ منها ويحتج على المعترضين بأن في المسالة خلافًا ولا يحق الإنكار فيما هو مختلف فيه .
ويلزم من ذلك:
... أنه ليس للحنفي أن ينكر على الشافعي متروك التسمية كما أنه ليس للشافعي أن ينكر على الحنفي شرب النبيذ الذي ليس بمسكر ونكاح المرأة بلا ولي .
... وإنما يحق للحنفي أن ينكر على حنفي مثله أو الشافعي على شافعي مثله .
ولكن هل يجوز أن تبقى مسألة النكاح بدون ولي مأذونًا بالخلاف فيها ، ويكون النكاح فيها شرعيًا عند الحنفي ، زنى عند الشافعي أم يجب حسمها لا سيما وأنها معارضة لصريح قول النبي - صلى الله عليه وسلم -"لا نكاح إلا بولي"وقوله"أيما أمرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل"وقوله"لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها ، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها".
... وكيف يسوغ هذا عند قوم يقولون من تارة لأخرى"لا اجتهاد مع النص ، وإذا جاء الأثر امتنع النظر" [1] .
{ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا } .
كيف صار حال الأمة هكذا: وما آتاكم أبو حنيفة فخذوه وما نهاكم عنه فأنتهوه ولو كان مخالفًا لكلام الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ؟.
{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا } .
كيف صار حال الأمة هكذا: وما كان لمذهبي ولا مذهبيه إذا قضى الشافعي أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ، ومن يعص مالكًا وأبا حنيفة فقد ضل ضلالًا مبينًا كيف ينصر الله أمة هذه أفكارها وآراؤها وهكذا صار حالها ؟
وكيف نغري الكفار بالدخول في دين الإسلام وهم يرون منا التقليد الأعمى والأستسلام لأقوال المشايخ أكثر من الاستسلام لقول الله والرسول .
... قال تعالى: { وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ } . وهؤلاء يقولون وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه بحسب المذهب فيكون حرامًا عند الشافعي حلالًا عند أبي حنيفة مستحبًا عند أحمد مكروهًا عند مالك !.
... قال تعالى { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } فجعل الله الرد إلى الله والرسول شرطًا من شروط الإيمان""
... والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول"من رأى منكم منكرًا فليغيره"ولم يقل ولا تنكروا على من كان يعتقد الحرام حلالًا . وهكذا من غير تعليمه الحق بجانب من في هذه المسألة ، فكل ما خالف النص الصريح الثابت ينكر عليه مهما كان مقامه وفضله . فإنه لن يصل إلى فضل أكابر الصحابة وهم قد أخطئوا وأنكر عليهم صحابة آخرون . فالعبرة في الأنكار بالنص لا بمذاهب الناس .
... إن القول"لا إنكار في مسائل الخلاف"صار ذريعة إلى سد باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
... ولو سلمنا بهذه القاعدة لوجد المخالف للكتاب والسنة من يتستر ويحتج برأيه في كثير من المسائل فيسلم من الإنكار عليه رغم معارضته لما ثبت بالكتاب والسنة .
... فالقاعدة الصحيحة: كل من خالف ما جاء في الكتاب والسنة ينكر عليه سواء كانت المسألة من مسائل الخلاف أم من غيرها مع ضرورة مراعاة ما يترتب على الإنكار .
(1) هذا الفصل مستفاد من كطتاب الشيخ فضل الهي ظهير .