فهذان الاختلافان ( اختلاف عمر مع هشام بن حكيم واختلاف أبي مع ابن مسعود ورجل آخر ) يدلان على أن الرسول عليه السلام كان قبل حدوثهما يقرأ القرآن على عدة وجوه. وكل ما هناك أن بعض الصحابة لم يكن قد سمع غير الذي كان يقرأ به، ولم يكن قد بلغه الحديث السابق ذكره، فظن في مبدأ الأمر أن الذي معه هو الحرف المعين في القراءة حتى هداه الرسول عليه السلام إلى الحقيقة.
وقد قلنا إن معظم وجوه الاختلاف بين القراءات يرجع إلى اختلاف اللهجات العربية، ولم نقل إن جميع وجوه الاختلاف يرجع إلى هذا الغرض؛ لأن طائفة من وجوه الاختلاف بين هذه القراءات لا ترجع إلى اختلاف اللهجات، وإنما ترجع إلى أمور أخرى كالاختلاف في إثبات حرف أو كلمة أو حذفهما ( مثال ذلك:"وسارعوا إلى مغفرة من ربكم"،"وقالوا اتخذ الله ولدًا"،"فإن الله هو الغني الحميد"في سورة الحديد،"وتجرى من تحتها الأنهار"في سورة التوبة، بإثبات الواو في الآيتين الأوليين وإثبات هو في الآية الثالثة وإثبات من في الآية الرابعة في قراءات وحذف هذه الأحرف والكلمات في قراءات أخرى ) . وكالاختلاف في توجيه المعنى وجهة خاصة ( مثال ذلك:"غلبت الروم"،"يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال …"ببناء الفعلين للمجهول في قراءات وبنائهما للمعلوم في قراءات أخرى ) .
فهذه الأنواع وما شاكلها في اختلاف القراءات لا تهمنا في موضوعنا، لأنها لا علاقة لها بما نحن في صدد دراسته وهو اختلاف اللهجات.
وهذا، وأرى أن تتجه معظم غايتنا إلى القراءات السبع المجمع على تواترها، أو تواتر معظم ما جاء فيها ( وهي قراءات ابن كثير ونافع وابن عامر وأبي عمرو بن العلاء وعاصم وحمزة والكسائي ) والقراءات الثلاث التي يرجح الباحثون أنها متواترة كذلك ( وهي قراءات يعقوب وأبي جعفر وخلف ) .