ومعنى التواتر أن معظم ما جاء فيها ثبت سماعه عن الرسول عليه السلام عن جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب. فكل قارئ من هؤلاء القراء قد أخذ قراءته مشافهة من صحابي أو تابعي ممن سمعوا هذه القراءة عن الرسول عليه السلام. فعاصم ابن أبي النجود مثلًا قد أخذ قراءته - وفق ما رواه هو عن نفسه - عن مصدرين: أحدهما الإمام أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمى، وقد تلقى هذا قراءته عن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأبي بن كعب عن الرسول عليه السلام ، والمصدر الآخر هو الإمام زر بن حبيش عن ابن مسعود عن النبي عليه السلام، ورواية حفص عن عاصم تمثل ما تلقاه عاصم عن المصدر الأول ، ورواية شعبة عن عاصم تمثل ما تلقاه عاصم من المصدر الثاني.
ولم يأت واحد من هؤلاء بشيء من عنده، حتى إن كثيرًا منهم قد أثر عنه قوله:"لولا أنني سمعت الآية على هذا الوجه لأمكن لي قراءتها على وجه آخر"، و"لولا أن ليس لي أن أقرأ إلا بما سمعت لقرأت بحرف كذا وكذا"، ومن أجل ذلك حمل الحفاظ من القراء ورواة الحديث حملة شعواء على ( الزمخشري ) في نقده لقراءة ابن عامر:"وكذلك زُيِّنَ لكثير من المشركين قتل أولادَهم شركائهم"، وظنِّه أن ابن عامر قد جاء بهذه القراءة من عنده. بل كاد بعضهم يحكم بكفره. وفي ذلك يقول ابن المنير في تعقيبه على كلام الزمخشري في تفسيره ( الكشاف ) :"ولم يعلم الزمخشري أن هذه القراءة قد قرأها الرسول عليه السلام على جبريل، ثم رواها النبي على عدد من التواتر من الأئمة إلى أن انتهت إلى ابن عامر، فقرأها كما سمعها. ولولا أن الزمخشري ليس من أهل الشأنين، أعني علم القراءة وعلم الأصول، لخيف عليه الخروج من ربقة الدين، وإنه مع هذا العذر لفي عهدة خطرة وزلة منكرة" ( 41/2 الكشاف في تفسير القرآن للزمخشري مع تعقيبات ابن المنير عليه) .