وإذا انتُقِل إلى الفتك في القتل فيحتمل أن يكون من باب المشترك وضعا أو استعمالا حيث يطلق على القتل مجاهرة من حيث يراه وعلى القتل غرة وغفلة، ويطلق على القتل بعد الأمان وهو الغدر، وعلى هذا فالفتك لفظ مشترك أو حقيقة واحدة متضمنة لمعان على سبيل التواطؤ كالرجل والإنسان والدلوك أو على سبيل التشكيك كالنور والوجود والواجب ونحو ذلك.
فإن كان من باب الاشتراك فالمشترك من المجمل فلا يجوز الحمل على أحد المعاني إلا بدليل، واختلفوا في الحمل على جميع المعاني عند عدم التنافي ولهم فيها قولان:
القول الأول: أنه مجمل فلا يصح حمله على جميع معانيه إلا بدليل يعيّن المراد، وهو قول الحنفية والحنابلة وبعض الشافعية ورجّحه كثير من المحققين من جميع المذاهب.
القول الثاني: أنه يعمّ جميع المعاني وهو قول المالكية والشافعي وجمهور أصحابه.
وعلى أيٍّ، فمعاني الفتك لا تتنافى على فرض عدم العلم بالمراد بالدليل فيجوز القول بأنّ النّهي عن الفتك يدل على تحريم ركوب المرء برأسه وعلى تحريم قتل الكافر مجاهرة أو غدرا أو قتله غيلة وكذلك قتله على غفلة جهارا.
وتقريره من وجهين:
الأول: على أن اللفظ المشترك يحمل عند الإطلاق على العموم وأن نسبة المشترك إلى جميع معانيه كنسبة العام إلى أفراده، كما هو مذهب جماعة من الأصوليين.
الثاني: على القول بعدم الحمل على جميع المعاني، لكن لما لم يقم دليل على تعيين أحد المعاني منعنا الكلّ، لا لأنه مقتضى اللفظ وضعا، بل أنّ النهي عن الفتك دلّ على تحريم أحدها ولم يتعيّن ولا يُخْرَج من عهدة النهي إلا بترك الجميع أعني ترك قتل الكافر لأن المبهم تعيين المراد من أنواع القتل لا تحريم القتل مطلقا فتعين العمل بالمبيّن من المعاني وهو تحريم قتل الكافر مطلقا وهذا هو المعنى الأعم من كل واحد منها.
قال الإمام ابن دقيق العيد في نحو هذا السياق: «هكذا ينبغي أن يكون في جميع المشتركات التي لا يقوم دليل على تعيين أحد المحامل منها للإرادة بعد أن يكون هاهنا حكم أعم من كل واحد منهما متبيِّن لأنه لا يخرج عن العهدة إلا بالمجموع ولا فرق في ذلك بين أن يكون الحكم وجوبا أو كراهة» . شرح الإلمام بأحاديث الأحكام (3/ 374) .
وإن كان من باب التواطئ فالمعنى الذي يؤيده تصريف المادة وأصل الاشتقاق وهو أن الفتك «كلمة تدل على خلاف النسك والصلاح .. ركوب ما هم من الأمور» أولى بحمل الحديث عليه، وعلى هذا