«في هذا الحديث ما قد دلّنا على المعنى الذي من أجله كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فئتين: فئة تقول: نقتلهم، وفئة تقول: لا نقتلهم، وأن ذلك كان لتركهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بعد خروجهم معه إلى قتال أعدائه بأحدٍ، ورجوعهم إلى ما سواها، فحلّ بذلك قتلهم، وصاروا به حربًا لله ولرسوله وللمؤمنين» . [1] ـ
وقال العلامة برهان الدين البقاعي رحمه الله:
«ولما كان هذا ظاهرًا في بروز الأمر المطاع بيّن القول بكفرهم وضّحه بقوله: {والله أركسهم} أي ردّهم منكوسين مقلوبين {بما كسبوا} أي بعد إقرارهم بالإيمان من مثل هذه العظائم فاحذروا ذلك ولا تختلفوا في أمرهم بعد هذا البيان .. فالمعنى حينئذ: اتفقوا على أن تسيروا فيهم بما ينزل عليكم في هذه الآيات.
ولما كان حال من يرفق بهم حال من يريد هدايتهم أنكر سبحانه وتعالى ذلك عليهم صريحا لبتّ الأمر في كفرهم فقال: {أتريدون أن تهدوا من أضل الله} ». [2] .
قلت: يحتمل أن يكون هذا إخبارا عن كفر سابق كما يحتمل أن يكون الحكم لمتجدد وهو الظاهر لأن القاعدة: أن الحكم المتجدد عن تجدّد أمرٍ يقتضي إضافة ذلك الحكم إلى الأمر المتجدّد، وهو مع ذلك لا ينفي السابق.
الدليل الثاني: حديث أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لتنزلن طائفة من أمتي أرضا يقال لها البصرة ويكثر بها عددهم ونخلهم ثم يجيء بنو قنطوارء عراض الوجوه صغار العيون حتى ينزلوا على جسر لهم يقال لها: دجلة، فيتفرق المسلمون ثلاث فرق: أما فرقة فتأخذ أذناب الإبل فتلحق بالبادية فهلكت. وأما فرقة فتأخذ على نفسها وكفرت. فهذه وتلك سواء. وإما فرقة فيجعلون عيالهم خلف ظهورهم ويقاتلون فقتلاهم شهيد ويفتح الله عز وجل على بقيتهم» .
وفي رواية: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ينزل ناس من أمتي بغائط يسمونه البصرة عند نهر يقال له دجله يكون عليه جسر يكثر أهلها وتكون من أمصار المسلمين فإذا كان في آخر الزمان جاء بنو قنطوراء عراض الوجوه صغار الأعين حتى ينزلوا على شط النهر فيتفرّق أهلها ثلاث فرق:
فرقة يأخذون أذناب البقر والبريّة وهلكوا. وفرقة يأخذون لأنفسهم وكفروا. وفرقة يجعلون ذراريهم خلف ظهورهم ويقاتلونهم وهم الشهداء». [3] .
(1) شرح مشكل الآثار (13/ 173)
(2) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (2/ 292 - 293)
(3) حديث صحيح.
رواه الطيالسي (911) وأحمد (20429 - 20430) و (20469 - 20470) وأبو داود (4306) وابن أبي شيبة (15/ 91) والبزار (3666 - 3667) وابن حبان (6748) وأبو عمر الداني في الفتن (473) وغيرهم من طرق عن سعيد بن جمهان عن ابن أبي بكرة عن أبيه به. سكت عنه أبو داود فهو عنده صالح وصححه ابن حبان والشيخ الألباني وهو كما قالا.
وأعله بعضهم بالآتي:
الأولى: اختلاف الرواة على سعيد بن جمهان في تعيين ابن أبي بكرة ذكرها الحافظ في «تعجيل المنفعة» .
وردّ بأنه اختلاف لا يضرّ الحديث فإن أبناء أبي بكرة (عبد الرحمن وعبيد الله ومسلم) ثقات مشاهير.
وأما عبد الله فصدوق حسن الحديث بل الظاهر أن الحديث حديث عبد الرحمن ولهذا اقتصر الإمام أبو الحسن الدارقطني في العلل (7/ 158 السؤال رقم(1270) عليه.
الثانية: ضعف سعيد بن جمهان البصري لقول البخاري: في حديثه عجائب. والساجي: لا يتابع على حديثه. والرازي: يكتب حديثه ولا يحتج به.
وردّ بتوثيق جمهور النقاد لسعيد وقبول روايته؛
1.الإمام ابن معين: «ثقة» .وفي رواية: «روى عن سفينة أحاديث لا يرويها غيره وأرجو أنه لا بأس به» .
2.الإمام أحمد لما قيل له: «ما تقول في سعيد بن جمهان؟ قال: ثقة» .
3.النسائي: «ليس به بأس» .
4.أبو داود: «سعيد بن جمهان ثقة إن شاء الله وقوم يقعون فيه؛ إنما يخاف ممن فوقه» .
5.يعقوب بن سفيان: «سعيد بن جمهان ثقة» .
6.قوّى أمره ابن أبي عاصم فقال إثر حديث الخلافة رقم (1222) : «وحديث سفينة ثابت من جهة النقل سعيد بن جمهان روى عنه حماد بن سلمة والعوام بن حوشب وحشرج»
7.ذكره ابن حبان في الثقات. وصحح حديثه هذا في (1534 - 1535) والحاكم في (4495؛4751)
8.قال ابن عدي: «قد روي عنه عن سفينة أحاديث لا يرويها غيره وأرجو أنه لا بأس به» .
9.حسّن له الإمام الترمذي حديثا تفرّد به حديث: «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة .. » رقم (2226) : «حديث حسن قد رواه غير واحد عن سعيد بن جمهان ولا نعرفه إلا من حديثه» .وتحسين ما انفرد به الراوي توثيق له.
10.كذلك الحافظ ابن حجر حسّنه ثم علق على قول الترمذي: «لا نعرفه إلا من حديث سعيد بن جمهان: قلت: هو تابعي صغير بصري صدوق .. » .
ثم ذكر توثيق ابن معين وأبي دواد وابن عدي وتجريح الرازي ثم قال: «وصحّح حديثه هذا ابن حبان والحاكم على عادتهما في تسمية كل ما يقبل صحيحا» .موافقة الخبر الخبر:1/ 141 - 142).
وأجيب عن قول البخاري: «في حديثه عجائب» بأنه يعني بذلك الغرائب وهذا لا يمنع الاحتجاج به، وقد أشار إلى ذلك الأئمة ابن معين وأبو داود وابن عدي بقولهم: «روى عن سفينة أحاديث لا يرويها غيره» وكأن قول الساجي: «لا يتابع على حديثه» كالتفسير لمقولة البخاري مع احتمال الإرادة لحديث معيّن وهو حديث سفينة في أن «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» أو «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر وعثمان: هؤلاء الخلفاء بعدي» .
ولهذا قال البخاري في الأخير من طريق حشرج بن نباتة عن سعيد بن جمهان عن سفينة: «هذا لم يتابع عليه لأن عمر وعليا قالا: لم يستخلف النبي صلى الله عليه وسلم» التاريخ الأوسط (835) .
وأما قول أبي حاتم الرازي: «شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به» فلا يقبل منه لأنه جرح مبهم غير مفسّر معارض بتعديل جمهور النقاد لسعيد بن جمهان على تشدّده.
الثالثة: قول أبي حاتم الرازي: هو حديث منكر. علل ابن أبي حاتم:6/ 567 رقم (2764) .
وأجيب عنها بأوجه:
الأول: يعني بالحديث الطريق التي ذكرها في العلل قال عبد الرحمن: «سألت أبي عن حديث رواه درست بن زياد عن راشد أبي محمد الحماني عن أبي الحسن مولى لأبي بكرة عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم .. » فذكره. وهذا طريق منكرة؛ درست بن زياد ضعيف، والحماني: صدوق ربما أخطاء ولعله أخطأ في قوله: عن أبي الحسن مولى أبي بكرة فإن سعيد بن جمهان من شيوخه.
الثاني: أن هذا الحكم صادر عن موقف الرازي من سعيد بن جمهان البصري وقد سبق بطلانه.
الثالثه: يعني بالنكارة المعنوية وقد تولّى شرّاح الأحاديث ببيان معنى الحديث فلا نكارة فيه. انظر شرح الطيبي للمشكاة 10/ 87 - 88).
واستفيد من هذا أمران:
الأول: أن في حديث سعيد بن جمهان غرائب غالبها في حديثه عن سفينة وهي مقبولة عند الجمهور لما ظهر لهم سبب التفرد والإغراب.
الثاني: صحة الحديث أو حسنه وبالله تعالى التوفيق.