فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 74

لأنفسها لقوله صلى الله عليه وسلم: «وفرقة يأخذون لأنفسهم فكفرت» ، وقد يكون هلاك الأولى هلاك كفر لرواية: «فهذه وتلك سواء» .

والظاهر أن الكفر المنصوص حصل بأخذ الأمان من الغزاة الكفرة وتسليم الطائفة المجاهدة، وكذلك الهلاك إن قيل: إنه هلاك كفر لأن الحكم المتجدد لأمر يقتضي إضافة ذلك الحكم إلى الأمر المتجدد مع مراعاة التعليل بالفاء في بعض الروايات: «وأما فرقة فتأخذ على أنفسها فكفرت»

قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله: «قسّمهم ثلاث فرق وأخبر أن من أخذ لنفسه وألقى السلم وترك الجهاد فقد كفر. ومن أعرض عن جهادهم وتباعد عنهم مقبلا على إصلاح دنياه وحرثه فقد هلك. ولم ينج إلا من قام بجهادهم وانتصب لحربهم ونصر الله ورسوله وأخبر أن أولئك هم الشهداء وأنهم مخصوصون بالشهادة دون سائر الشهداء كما يستفاد من الجملة الاسمية المعرّفة الطرفين ومن ضمير الفصل المقحم بين المبتدأ والخبر. والحصر، وإن كان ادّعائيا فهو يدلّ على شرف هذا الصنف وفضيلته. والحديث وإن تأوله بعضهم في حادثة التتر في القرن السابع فقائله لا يمنع من دخول سواها في الخبر وأن لها ذيولا وبقية.

ولا ريب أن هذا الذي حصل في هذا الزمان إن لم يكن منها ومن ذيولها فهو شبيه بها من كل وجه «فإن لا يكنها أو تكنه فإنه أخوها غذته أمه بلبانها» . [1] .

الدليل الثالث: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق أو بدابق فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تاصفّوا قالت الروم: خلّوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم. فيقول المسلمون: لا، والله لا نخلّي بينكم وبين إخواننا فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدا، ويُقْتَل ثلثهم، أفضل الشهداء عند الله. ويفتتح الثلث، لا يفتنون أبدًا فيفتتحون قسطنطينة .. » [2] .

الظاهر أن الثلث المنهزم عند ما جاس الكفار خلال الديار عوقب بعدم قبول التوبة منه أبدا جزاءا بفعلته النكراء، ولعل المانع من قبول التوبة الكفر لما مرّ في حديث أبي بكرة رضي الله عنه، ولقوله تعالى: {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله} .

ويحتمل معنى آخر وهو ما ذكره أبو العباس القرطبي بقوله: «لأنهم فرّوا من الزحف حيث لا يجوز لهم الفرار، فلا يتوب الله عليهم أي: لا يلهمهم إيّاها ولا يعينهم عليها؛ بل يصرّون على ذنبهم ذلك ولا يندمون عليه.

(1) عيون الرسائل (1/ 232 - 233) .

(2) رواه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة رقم الحديث (2897) تفرّد به

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت