عن الأشياء السفلية في الطبائع. أما العظمة فهي بعيدة المنال عنه. وإن مما يجعل العالمجليل الخطر شعوره الباطن بأنه من ذرية متوسطة، فهو والحالة هذه يدأب عاملًا على إبادة الرجل (الشاذ)
ولا ريب أن العالم يحيا بعيدًا عن كل إيمان؛ ألا ترى فطرته في كثير من المواطن توائم فطرة رجل الدين، ثم يخالفه ويفر من ملامسته وملامسة أمثاله، لأنه يعتقد كل الاعتقاد بأن رجل الإيمان هو نموذج سفلي في البشرية، وأن رجل العلم هو أسمى منه. على أن هنالك هوة سحيقة تفصل بين رجل الدين رجل الإرادة الكبيرة المريضة، المقاتل الظافر بفضل هذه الإرادة، والخالق قيمًا يعتقد بصحتها، وبين هذا الرجل العالم الجريء، هذا القصير المعجب بنفسه وعلمه. يعمل كما تعمل الآلهة ليزداد ضلالًا، ولينعتق من التفكير، وليزيح من سبيله هذه المسائل المغلقة! قد يكون عمله حسنًا لو كان يعمل مستوحيًا نفسه، لكنه يعمل ليكون مأمورًا عاجزًا عن إبداع قيمة جديدة عاجزًا عن أن يتذرع بإرادة
لنحكم العالم (غير الذاتي) الذي نضجت فيه الحاسة العملية قد ساد أمره فماذا ينتج منه؟ لا شيء إلا مرآة. . . وآلة لا إرادة لها. . . إنه يشبه المرآة التي تعكس الأشياء، ترتقب حتى تظهر عليها فتعكس مرآها، وإنما غناء في أن يكون معبرًا تمر به الأشياء. لا يحس ولا يلمس آلامه الشخصية. يعمل ما يستطيع، ولكن ما يعطيه حقير لا قيمة له. هو لا يأمر ولا يخرب شيئًا، يقول مع (ليبينز) : (أنا لا أحتقر شيئا) . إنه آلة تتجلى فيها العبودية والخضوع والطاعة. مفتقر إلى معلم يهديه إلى الغاية المقصودة. وهو ليس بعلامة حركة جديدة، ولا بعلة أولى. إنه وا أسفاه ليس بمعلم. إنه وعاء فارغ يتخذ لون السائل المراق فيه، إنه فاقد الشخصية
ثم هاجم نيتشه الشكوكيين الذين يصل بهم علمهم إلى حيرة يتساوى فيها العود والهبوط، والعلم والجهل، وإنما يتميزون من رجال العلم بأن هؤلاء عاملون دائبون كالآلات؛ أما الشكوكيون فهم عقول أضعفها تريضها الزائد في العلوم، وهم ليسوا بشيعة واحدة، فمنهم المضطرب والمعتدل المزهو بنفسه، ومنهم النفس التي تبذل الجهد في كشف أسرار الوجود وقد دوختها أسراره حتى غدت تروح وتغدو كالخيال الدقيق ليس له من قرار
ألا ترى إلى زرادشت - نبي نيتيشه - المبشر بالسوبرمان قد سحب وراءه خيالا من هذه