تنبت فيه مشاعر تشبه مشاعر هيامه الماضي وعهده السالف
كان المركيز يدحض هذا الاعتقاد بكل ما أوتي من ذلاقة لسان، ومن حجة وبيان
كان يقول:
-أؤكد لكم يا سادتي أن الإنسان في مقدوره أن يعشق أكثر من مرة بكل جوارحه وبكل قواه. إنكم تعددون لي أمثلة أناس انتحروا من أجل الحب كأنهم عاجزون عن أن يعيشوا ليعشقوا ثانية. غير أني أجيبكم: إن هؤلاء الناس لو أهملوا الانتحار وتحاشوا هذا الحمق المجنون، لألفوا في الحياة ما يثير الحب جديدًا في قلوبهم الجريحة ويحي موات الأمل في نفوسهم اليائسة، لأن من هام عاد إلى الهيام، ومن احتسى أولى الكؤوس عاد إلى سواها. تلك طبيعة المرء لا منصرف عنها ولا محيد
لما أتم المركيز خطابه وأعلن رأيه، انحدرت الأنظار إلى الطبيب تنتظر منه الحكم الأخير. قال:
-أنا لا أخالف المركيز في رأيه، فالهوى تتعدد فصوله وتتابع طوارئه على الفؤاد. غير أني عرفت فيما عرفت هوى دام خمسًا وخمسين سنة، وما خمدت ناره ولا انطفأ أواره إلا بالموت
قال المركيز وهو يفرك يديه:
-ترى أهذا الحب محمود؟ وما وراءه من أمان وأحلام؟ وأي سعادة في أن يعيش المرء خمسًا وخمسين سنة على غرام واحد؟
فابتسم الطبيب ابتسامة خفيفة وهو ينظر إلى المركيزة:
-إن الشخص الذي أتاح له القدر أن يكون معشوقًا طول هذه المدة كان رجلا وأنتم تعرفونه جميعًا، هو السيد شوكه صيدلي الناحية. أما المرأة العاشقة فلستم تجهلونها أيضًا، هي صانعة الكراسي العجوز التي كانت تفد أحيانًا إلى القصر هاهنا:
بدت على وجوه النسوة ملامح الدهش ودلائل الاشمئزاز، كأنما الحب لا ينبغي أن يصيب فيما يصيب إلا المخلوقات المترفة المتميزة التي تستحق وحدها أن يبدي الناس لها عطفا واهتمامًا
قال الطبيب: